شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: العدالة والدولة… من يحرس الحارس؟ مصر الممكنة 2030 (46) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (17)

من أقدم الأسئلة التي شغلت الفلاسفة ورجال القانون والسياسة سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد العمق في مضمونه: إذا كانت الدولة هي التي تحرس المجتمع، فمن الذي يحرس الدولة نفسها؟ وإذا كانت السلطة هي التي تفرض القانون، فمن الذي يفرض القانون على السلطة؟ وإذا كان الحاكم يملك أدوات القوة، فمن الذي يضمن ألا تتحول هذه القوة إلى سلطة بلا حدود؟

لم تولد الدولة الحديثة من فراغ، ولم تكن الديمقراطية مجرد تطور طبيعي في حياة المجتمعات. بل جاءت نتيجة صراع طويل خاضته الإنسانية ضد فكرة السلطة المطلقة. فالتاريخ يعلمنا أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود الدولة، وإنما في غياب القيود التي تمنعها من تجاوز حدودها.

لهذا لم يكن الدستور أهم ما أنتجته الدولة الحديثة فحسب، بل كان القضاء المستقل هو الضمانة التي جعلت الدستور أكثر من وثيقة رمزية. فالنصوص وحدها لا تحمي أحدًا. والحقوق المكتوبة لا تدافع عن نفسها. والحرية لا تعيش طويلًا إذا لم تجد مؤسسة قادرة على حمايتها حين تصبح مهددة.

خلال سنوات طويلة من العمل السياسي والبرلماني، كنت ألاحظ أن أغلب النقاشات العامة في منطقتنا العربية تنشغل دائمًا بالسؤال: كيف نجعل الدولة قوية؟ بينما السؤال الأكثر أهمية غالبًا كان غائبًا: كيف نجعل الدولة قوية وخاضعة للقانون في الوقت نفسه؟

فالدولة الضعيفة خطر على المجتمع، لكن الدولة التي لا تعرف حدودًا لسلطتها خطر أكبر. والتاريخ مليء بأمثلة دول امتلكت من القوة ما يكفي لإخضاع مجتمعاتها سنوات طويلة، لكنها عجزت في النهاية عن بناء شرعية مستدامة لأنها لم تترك مساحة كافية للقانون كي يقف بينها وبين المواطنين.

العدالة في هذا السياق ليست جهازًا من أجهزة الدولة، بل هي الضابط الذي يمنع أجهزة الدولة نفسها من الانحراف. ولهذا فإن القضاء المستقل لا يعمل ضد السلطة، كما يتصور بعض رجال السياسة أحيانًا، بل يعمل لصالح الدولة نفسها على المدى الطويل.

الدولة التي تستطيع أن تخسر قضية أمام مواطن وتقبل الحكم، هي دولة أقوى من تلك التي لا تسمح أصلًا بقيام القضية. والسلطة التي تخضع للقانون بإرادتها أكثر استقرارًا من سلطة تفرض القانون على الآخرين وتستثني نفسها منه.

تعلمت هذا الدرس في أكثر من محطة من محطات حياتي العامة. ففي بعض اللحظات كان الخصم المباشر هو الدولة نفسها بمؤسساتها المختلفة. وكانت المعركة تدور حول حق سياسي أو قانوني أو إنساني. ولم يكن السؤال الحقيقي: هل سأربح القضية أم لا؟ بل كان: هل توجد جهة محايدة يمكن أن ألجأ إليها أصلًا؟

وحين توجد هذه الجهة، مهما كانت النتيجة، يشعر الإنسان أن الدولة ما زالت دولة قانون. أما حين تختفي هذه الجهة أو يضعف دورها، فإن الخسارة لا تصيب الخصم وحده، بل تصيب فكرة الدولة نفسها.

لهذا فإن الحديث عن إصلاح مرفق العدالة لا يقتصر على تحسين أداء المحاكم أو تسريع التقاضي أو تحديث التشريعات. بل يتعلق أيضًا بإعادة رسم العلاقة بين السلطة والقانون. فالقانون يجب أن يكون أعلى من الجميع، وإلا فقد معناه.

من هنا جاءت أهمية مبدأ الفصل بين السلطات. فالفكرة لم تكن يومًا توزيع الوظائف فقط، بل توزيع القوة أيضًا. لأن السلطة التي لا تجد من يراقبها أو يراجعها أو يوقفها عند الضرورة تتحول تدريجيًا إلى سلطة تعتقد أنها فوق القانون لا خاضعة له.

مصر عرفت عبر تاريخها الحديث فترات كانت فيها مؤسسات العدالة أكثر قدرة على أداء هذا الدور، وعرفت فترات أخرى تعرضت فيها هذه القدرة للتراجع أو الضغط أو الإنهاك. لكن الدرس الذي تكرر دائمًا أن الدولة كانت تكسب كلما ازدادت قوة القضاء، وتخسر كلما ضعفت ثقافة المشروعية وسيادة القانون.

أحد أخطر الأخطاء التي تقع فيها بعض الأنظمة السياسية أنها تتصور أن استقلال القضاء يحد من سلطتها. بينما الحقيقة أن القضاء المستقل يضيف إلى السلطة رصيدًا من الشرعية لا تستطيع أي أدوات أخرى توفيره.

الشرعية لا تأتي فقط من الانتخابات، ولا من الإنجازات الاقتصادية، ولا من القوة الإدارية. الشرعية تأتي أيضًا من شعور المواطن أن هناك قواعد تطبق على الجميع، وأن السلطة نفسها تخضع للقانون الذي تطلب منه احترامه.

لهذا السبب كان كبار رجال الدولة في التجارب الديمقراطية الناجحة ينظرون إلى القضاء باعتباره حليفًا للدولة لا خصمًا لها. فالقاضي المستقل لا يسحب من السلطة نفوذها المشروع، بل يمنعها من الوقوع في أخطاء تدفع ثمنها لاحقًا.

العدالة هنا تؤدي وظيفة سياسية بمعناها النبيل دون أن تتحول إلى لاعب سياسي. فهي لا تنافس السلطة، ولا تسعى إلى الحكم، ولا تخوض الانتخابات، لكنها تحمي قواعد اللعبة التي تجعل الحياة العامة قابلة للاستمرار دون انفجار أو انهيار.

ومن هنا فإن أحد أهم أهداف إصلاح العدالة في مصر يجب أن يكون ترسيخ فكرة أن القانون هو المرجعية النهائية للجميع. لا توجد جهة أعلى من القانون، ولا مؤسسة أكبر من الدستور، ولا قرار محصن ضد الرقابة القضائية.

قد يبدو هذا الكلام بديهيًا في الكتب، لكنه في الواقع العملي هو جوهر دولة القانون. فكل مرة تنتصر فيها هذه الفكرة، يزداد استقرار الدولة. وكل مرة تتراجع فيها، تتسع الفجوة بين النصوص والواقع.

مصر الممكنة التي نتطلع إليها في عام 2030 تحتاج إلى دولة قوية، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى دولة مقيدة بالقانون. تحتاج إلى مؤسسات فعالة، لكنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات قابلة للمساءلة. تحتاج إلى سلطة قادرة على اتخاذ القرار، لكنها تحتاج إلى قضاء قادر على مراجعة القرار إذا تجاوز حدوده.

فالسؤال الذي بدأ به هذا المقال سيظل حاضرًا في كل دولة تسعى إلى أن تكون حديثة وعادلة في آن واحد:

من يحرس الحارس؟

والإجابة التي استقرت عليها البشرية بعد قرون طويلة من التجارب والصراعات والحروب والثورات هي:

يحرسه القانون.

ويحرس القانون قضاء مستقل.

وتحرس القضاء ثقة المجتمع فيه.

وتحرس الجميع ثقافة تؤمن بأن الدولة القوية ليست التي تملك سلطة بلا حدود، بل التي تعرف أين تبدأ سلطتها وأين يجب أن تتوقف.

الحلقة التالية:

مصر الممكنة 2030 (47)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (18)

العدالة والمستقبل… لماذا تحتاج مصر إلى عقد قانوني جديد؟
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى