
طالعت بوستًا دوّنه د. زياد بهاء الدين، يتعلق بقانون «جهاز م.م.».
استعرض د. زياد الخلفية التاريخية لجهاز مستقبل مصر، منذ نشأته بقرار جمهوري 591، بدور محدد ومحدود، وهو المساهمة في التنمية الاقتصادية.
ووفق ما كتبه د. زياد، فإن الجهاز منذ نشأته أثار كثيرًا من اللغط، ما بين من رآه أنه سيكون معرقلًا لنشاط القطاع الخاص، وبين من يظنه تدخلًا محمودًا من الدولة نحو تحقيق الأمن الغذائي.
د. زياد عرض أن الأمر تغير كثيرًا عما سبق، وذلك نتيجة قانون «جهاز م.م.»، الذي نص على إعادة تنظيم الجهاز، بما يغير من طبيعته ومن دوره في الدولة.
ووفق ما سرده د. زياد، فإن الجهاز بموجب هذا القانون تحول من جهاز تابع للقوات المسلحة إلى جهاز قومي «ذي طبيعة خاصة»، ويتبع رئيس الدولة مباشرة.
كذلك فإن الجهاز، بموجب هذا القانون، لم يقف عند حدود أظنها «شكلية» تتعلق بتبعية هذا الجهاز، بل تجاوز ذلك إلى توسع ضخم في الأهداف المنوط به تحقيقها، فلم يعد، كما قال د. زياد، واجب الجهاز هو الأمن الغذائي فقط، بل امتد إلى الأمن المائي، وتنمية الاقتصاد الوطني، واستدامة الثروات السيادية، والمدهش في تصوري أن تكون ضمن أهداف الجهاز تحقيق العدالة الاجتماعية!
تلك الأهداف تتطلب توسعًا غير محدود في نشاط الجهاز، ليشمل تقريبًا كل المجالات من زراعة، وثروة حيوانية وسمكية وداجنة، وصناعات استخراجية وتحويلية، ولوجستيات وسياحة وتشييد وبناء، وطاقة ومياه وتعليم، وكهرباء واتصالات، وتكنولوجيا معلومات، بالإضافة إلى ما يستجد بقرار من مجلس إدارة الجهاز وفق رؤيته.
يقوم الجهاز باستحداث ما تمت تسميته اقتصاديًا «مناطق التنمية المستدامة»، وله في ذلك كافة الصلاحيات من إنشاء وتراخيص وترفيق وإدارة.
كذلك فإن للجهاز تأسيس شركات استثمارية تابعة له، منفردًا أو بالشراكة مع آخرين كالدولة أو الأفراد.
والأهم أن للجهاز صندوقًا سياديًا جديدًا يقوم على إدارة الاستثمارات الاقتصادية التي يقوم بها!
هذا خلافًا لصندوق سيادي آخر تابع أيضًا للجهاز، لمباشرة الأنشطة التنموية والاجتماعية التي يساهم فيها أو يدعمها الجهاز!
وبعيدًا عما طرحه د. زياد بهاء الدين من تساؤلات، فإنني أندهش من عدة نقاط لم يُشر إليها د. زياد أو كتابات أخرى، وأوجزها في نقاط محددة:
إن الجهاز أخذ في بناء تشكيلاته التنظيمية، مستهديًا في ذلك بالتنظيم الخاص بالشركات القابضة وما تتبعها من شركات، فبات الجهاز يؤسس ويشارك في شركات في أنشطته، وكأنه المظلة العليا لتلك الشركات والمشروعات.
قد يرى البعض أنه لا ضرر في ذلك طالما سيحقق نجاحات، وردًا على ذلك أستشهد بواقع حال الشركات القابضة وما آلت إليه من كثير من التردي العام، رغم أن هناك لوائح وقوانين وقواعد تنظم هذه التبعية من الشركات للقابضة!
هذا ما لم يُشر إليه أحد في علاقة هذا الجهاز بما يؤسسه من شركات وبما يقيمه من مشروعات!
فطالما ترى الحكومة أن قانون الجهاز الذي سيحقق أهداف الجهاز الجديدة، وهو ما سيكون أساسًا لهذا النجاح، هو تحرير الجهاز من شبكة التشريعات المقيدة لحرية إدارة شركات الدولة ومشروعاتها، أيًا ما كانت، ألا يعتبر ذلك مدعاة للقول: لماذا لا تحرر الدولة مؤسساتها الاقتصادية المختلفة من تلك الشبكة من القيود، بما يفتح آفاق العمل لها وفق الإدارة الحرة، دون الحاجة إلى تأسيس جهاز، وجهاز لأهداف الجهاز، وجهاز بعيد عن رقابة جهاز، إلى آخر تلك الدوامة التي انتهت إلى انهيار الاقتصاد الوطني بوضعه الراهن؟!
إن أحدًا لم يهتم بالبحث فيما إذا كانت ثمة علاقة بين هذا التشريع الجديد الخاص بـ«جهاز م.م.» من ناحية، ومن ناحية أخرى بما يمارسه «صندوق النقد الدولي» من ضغوط تتعلق بالمشروعات الاقتصادية للقوات المسلحة، ورغبته في تخارجها من هذه المشروعات.
تلك، في تقديري، النقطة الأهم والجديرة بأن تكون في بؤرة الحوار العام حول هذا التطوير في وظيفة ومهام جهاز م.م.
وأستأذن، لن أتعرض تفصيلًا لتلك النقطة تحديدًا، على الأقل في الوقت الراهن، ولكن فقط أردت أن تكون تلك النقطة في بؤرة اهتمام كل من يعنيه استيعاب هذا القانون «الخطير للغاية».
وأخشى ما أخشاه أنه مع كل هذه التنازلات «أو الالتفافات»، تظل ضغوط صندوق النقد الدولي كما هي دون تغيير، أو بتغيير في المسميات مع الحفاظ على جوهر الموضوع!
لفت نظري ما أشار إليه د. زياد بهاء الدين، وورد بالقانون الجديد، من تعريف مجهول للمشروعات أُضيف إلى اختصاصات الجهاز، وهو الذي جاء بمسمى «مناطق التنمية المستدامة»، ووفق ما طرحه د. زياد من تساؤل حول ماهية تعريف «مناطق التنمية المستدامة»، والفارق بينها وبين المناطق الحرة التي تديرها هيئة الاستثمار، كذلك الفرق بينها وبين المناطق الصناعية التي تديرها الدولة والقطاع الخاص!
ورغم وجاهة طرح د. زياد بهاء الدين، فإنني أعيد طرح ذات السؤال، ولكن من زاوية أخرى، وهي الزاوية الدستورية.
فإذا كان الدستور المصري لم يرد ولم يُشر إلى رفض أو قبول تعددية الصناديق السيادية، فإنه وفق الفكر الدستوري، فإن حالة التعدد تستلزم حتمًا وبالضرورة «وضوحًا تامًا للاختصاص» فيما بين الصناديق السيادية المختلفة.
إيضاحًا لذلك، فإنني أطرح تساؤلًا: إذا كانت هناك رغبة للدولة في إقامة مشروع ما، وليكن إنشاء ميناء بحري أو جوي، فمن من الصناديق السيادية يكون صاحب الولاية على هذا الأصل؟
هل يقوم بهذا المشروع الاستثماري صندوق مصر السيادي، أم جهاز مستقبل مصر، أم هيئة قناة السويس، أم هيئة الطيران المدني، أم وزارة النقل؟
هذا ما أقوله: إذا لم يحدد القانون معيارًا واضحًا للاختصاصات، فحتمًا ستنشأ نزاعات تتعلق بالاختصاص بين كل هذه الجهات.
وفي تلك الحالة، فإننا حتمًا سنكون بصدد عوار دستوري يستوجب الطعن على القانون دستوريًا!
نفس المثال السابق أعلاه يثير الانتباه لجزئية هامة تتعلق بمراكز القرار، فكلما تعددت مراكز القرار، أدى ذلك إلى مزيد من التضارب والتعارض، وعرقلة إضافية تضاف إلى سلة العراقيل الاقتصادية.
فهل نتوقع قرارًا جمهوريًا بتشكيل مجلس أعلى للصناديق السيادية، تكون مهمته فض منازعات الاختصاص، الإيجابي أو السلبي منها؟
أيضًا، أمر آخر أظنه أهم قضية يجب التركيز عليها في كافة المراحل القادمة لتطبيق القانون، ويتعلق بالعلاقة بين الصناديق السيادية من ناحية، وبين الموازنة العامة للدولة.
أكتفي في هذا البوست بطرح أربعة أسئلة أظنها هامة، وتكون حاسمة في كشف البواعث الحقيقية لهذا القانون الجديد الخاص بجهاز م.م.
أولًا: هل تنتقل الأصول المنقولة إلى الصندوق من نطاق الموازنة العامة للدولة؟
ثانيًا: هل تعد أرباح الصندوق/الجهاز إيرادات عامة واجبة الإدراج في الموازنة العامة للدولة، أم إنها تبقى داخله لإعادة الاستثمار؟
ثالثًا: إلى أي مدى يملك مجلس النواب سلطة الرقابة على هذه الأموال؟
رابعًا: ما الحدود الفاصلة بين الاستقلال المالي للصندوق/الجهاز، ومبدأ وحدة المال العام؟
يقول فقهاء المالية العامة إن الموازنة العامة ليست جداول للإيرادات والمصروفات، ولكنها الأداة التي يمارس بها البرلمان رقابته على السلطة التنفيذية.
وأيضًا يقول الفقه الدستوري إنه لا رقابة بلا موازنة، ولا موازنة بلا برلمان، فالموازنة ليست وثيقة محاسبية، ولكنها وثيقة سياسية ودستورية.
وأختتم بسؤال: إذا توسعت الدولة في نقل الأصول إلى كيانات استثمارية، فما الحدود التي عندها يمكن القول إن الجزء الأكبر من الثروة العامة يُدار خارج إطار الموازنة التقليدية؟
الشيء المؤكد، وأستطيع قوله بثقة تامة، أنه من الناحية الدستورية، كلما اتسع نطاق إدارة الأصول خارج الموازنة العامة، ازدادت أهمية وجود قواعد واضحة للشفافية والمساءلة، وبذلك نضمن أن الرقابة على المال العام قائمة وفاعلة.
وللحديث بقية.







