استنزاف المغتربين: كيف تحولت تحويلات المصريين بالخارج إلى “سبوبة” حكومية مستمرة بلا طائل؟

تواجه الحكومة المصرية انتقادات حادة واتهامات مباشرة بالتحول إلى نموذج “الجباية الرقمية” واستغلال مواطنيها بالخارج، حيث باتت تتعامل مع المغتربين المصريين كأنهم “خزنة دولارات” متحركة على الأرض. كلما تفاقمت أزمة الشح النقدية واشتدت الحاجة إلى العملة الصعبة، تسارع الأجهزة التنفيذية إلى ابتكار مبادرات وطرح مشروعات استثمارية جديدة تشترط فيها الدفع الحصري بالدولار وليس بالجنيه المصري، في مفارقة تعكس عمق الأزمة الهيكلية وفشل السياسات المالية في توليد تدفقات مستدامة.
ورغم أن مساندة الوطن في الأوقات العصيبة تُعد واجباً، إلا أن الواقع يكشف عن فجوة هائلة بين الوعود البراقة والآليات التنفيذية؛ إذ إن معظم المبادرات التي أُطلقت مؤخراً لا تزال تواجه سيلًا من شكاوى التأخير والإهمال والمماطلة البيروقراطية، مما يُفقد المغتربين الثقة في جدية هذه الأطروحات.
“مزرعتك في مصر”: أرقام فلكية ومستهدفات خارج السيطرة
تتجلى هذه السياسة الاستنزافية في أحدث المبادرات الحكومية التي حملت اسم “مزرعتك في مصر”، والتي تستهدف بيع أراضٍ زراعية للمصريين في الخارج بالعملة الصعبة. تم تحديد سعر الفدان في هذه المبادرة بنحو 2450 دولاراً، على أن يقوم المشتري بسداد مقدم قيمته 20%، وتقسيط المبلغ المتبقي على مدار 8 سنوات بفائدة متناقصة تبلغ 4%. وتبدأ المساحات المطروحة من 40 وتصل إلى 80 فداناً.
هذه الأسعار أثارت صدمة واسعة عند مقارنتها ببدايات مشروع “المليون ونصف المليون فدان” في عام 2016، حين كان سعر الفدان يتراوح ما بين 18 و25 ألف جنيه مصري فقط. وتكشف البيانات الرسمية عن تعثر حاد في التنفيذ؛ إذ لم يحقق المشروع سوى 440 ألف فدان تقريباً حتى شهر أغسطس من عام 2025، وهو ما يعادل 29% فقط من المستهدف الإجمالي. يأتي هذا الإخفاق وسط شكاوى مريرة من المستثمرين والمتواجدين على الأرض تتعلق بملوحة المياه الشديدة، نقص إمدادات الكهرباء، سوء حالة الطرق، وغياب الخدمات الأساسية اللازمة للإنتاج.
“بيت الوطن”: مسلسل مستمر من نقص الخدمات ورفع الأسعار
ولا تبدو قصة الأراضي السكنية أفضل حالاً، فمشروع “بيت الوطن” المخصص للمغتربين يعيد إنتاج نفس الأزمة. فعلى الرغم من أن أصحاب هذه الأراضي قد سددوا قيمتها بالدولار منذ عام 2012، إلا أن قطاعاً عريضاً منهم ما زال يعاني حتى الآن من غياب المرافق الأساسية، مثل الطرق الممهدة، وشبكات الكهرباء، والصرف الصحي، والخدمات الحيوية.
وبدلاً من معالجة هذه القصور الحاد وإتمام المشروعات المتأخرة، اختارت الحكومة القفز إلى الأمام عبر طرح مرحلة جديدة تضم 4543 قطعة أرض، مصحوبة برفع فج للأسعار في بعض المدن إلى أكثر من الضعف، مما يؤكد أن الهدف الأساسي هو تجميع السيولة الدولارية السريعة دون أدنى اهتمام بحقوق المشترين أو الوفاء بالالتزامات التعاقدية.
إن المحرك الأساسي لهذه السياسات يكمن في شهية الحكومة المفتوحة نحو “سبوبة” تحويلات المصريين بالخارج، والتي بلغت أرقاماً قياسية بنحو 43.1 مليار دولار خلال 11 شهراً، مسجلة زيادة قدرها 31.2%. لقد تحول المغترب إلى المصدر الأهم والأول للعملة الصعبة في البلاد، متفوقاً على إيرادات قناة السويس، وقطاع السياحة، والصادرات غير النفطية مجتمعة. هذه الأرقام تفسر بوضوح لماذا تضع الحكومة عينها على دولارات المغتربين، بينما تضع تنفيذ المشروعات وتطوير البنية التحتية في آخر أولوياتها، حتى لو ظل التأجيل والمماطلة سيد الموقف لسنوات وسنوات.





