حقوق وحرياتملفات وتقارير

الخوف يكتب السطر الأخير: اعتقال الصحفي محمود غانم يغلق نوافذ الكلمة الحرة

شهدت الساحة الحقوقية والإعلامية في مصر فصلاً جديداً من فصول القمع الأمني الممنهج، يعكس مدى التردي الذي وصلت إليه حالة حرية التعبير في البلاد. فبعد ساعات قليلة من إعلانه اعتزال الكتابة في الشأن العام وإغلاق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي خوفاً من التنكيل، قامت قوات الأمن الوطني باختطاف الصحفي محمود غانم من منزله بمدينة دمنهور، قبل أن تطلق سراحه لاحقاً عقب إجباره على الصمت التام، في رسالة ترهيب واضحة لا تقبل التأويل.

هندسة الرعب: عندما يصبح الصمت نفسه غير كافٍ للنجاة

لم يكن غانم يمارس تحريضاً أو يروج لشائعات، بل كان يوثق اللحظات الأخيرة لصحفي يحاول النجاة بنفسه من مقصلة الاعتقال. فقبل ساعات من مداهمة منزله، كتب محمود غانم عبر حسابه الشخصي على “فيسبوك” كلمات تقطر عجزاً وقهرًا، معلناً استسلامه التام لآلة القمع الأمنية:

«خلاص من دلوقتي لا حكومة ولا سياسة، نعيش زي العايشين لغاية ما ييجي الأجل، لأنها عمرها ما هتتغير، اعتبروا الحساب مغلق، لأني حاسس إني قربت أرجع تاني معتقل العاشر».

هذه الكلمات الإنسانية البسيطة، التي تعكس فقدان الأمان المطلق والشعور بتهديد داهم، لم تشفع له لدى الأجهزة الأمنية التي باتت تعاني من “فوبيا الكلمة”. فلم يعد المطلوب من المواطن أو الصحفي هو الصمت والابتعاد عن السياسة فحسب، بل يبدو أن السلطة تريد معاقبة حتى أولئك الذين يعلنون يأسهم من التغيير، في محاولة لفرض حالة من الإذلال الشامل وإيصال رسالة بأن الخروج من السجن لا يعني الحرية، بل يعني العيش في زنزانة أكبر مراقبة على مدار الساعة.

الترهيب العابر للحدود وتكميم ما تبقى من أفواه الصحافة

وفقاً لما رصدته مؤسسة “جوار” للحقوق والحريات، فإن عملية اعتقال غانم السريعة وإطلاق سراحه المشروط عقب إعلانه التوقف التام، يمثل ذروة التغول الأمني وتدمير ما تبقى من مظهر الدولة القانونية. غانم أشار قبيل اعتقاله إلى أنه بات يخشى الأحكام والإجراءات التعسفية الأخيرة التي طالت عدداً كبيراً من زملائه الجماعة الصحفية، مؤكداً أنه قرر قصر منشوراته المستقبلية على المناسبات الاجتماعية والموضوعات البعيدة كلياً عن السياسة.

إن اقتحام البيوت في الفجر واقتياد الصحفيين لمجرد التعبير عن الخوف هو تجسيد حي لدولة الخوف الفاشلة في إدارة أزماتها الاقتصادية والسياسية، والتي لا تجد ملاذاً سوى مطاردة أصحاب الرأي. إن إطلاق سراح محمود غانم بعد ساعات من احتجازه بالمنطقة الأمنية، جاء ليؤكد أن النظام لا يمتلك أي قضية حقيقية ضده، وإنما كان الهدف هو منحه “الجرعة الأخيرة” من الترهيب، وإجباره على التوقيع على تعهدات تضمن عدم نطق بأي كلمة تنتقد الأوضاع القائمة مستقبلاً، ليعود إلى بيته مجرداً حتى من حقه في إعلان اعتزاله.

هذه الحادثة الفاضحة تضع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولياتها تجاه نظام يمارس الإرهاب الفكري والنفسي ضد مواطنيه، ويثبت للعالم أجمع أن الوعود والحديث عن “الجمهورية الجديدة” و”الحوار الوطني” و”الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان” ليست سوى مساحيق تجميلية فاشلة تخفي خلفها وجهاً مرعباً لدكتاتورية أمنية لا تحتمل حتى صوت الصمت.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى