د. أيمن نور يكتب: لماذا تحتاج مصر إلى عقد قانوني جديد . مصر الممكنة 2030 (47) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (18)

لا تُبنى الدول الكبرى بالمشروعات وحدها، ولا بالموازنات وحدها، ولا بالخطط الاقتصادية مهما بلغت دقتها. فكل مشروع يحتاج إلى قانون يحميه، وكل استثمار يحتاج إلى قضاء يطمئنه، وكل حرية تحتاج إلى ضمانة تصونها، وكل مواطن يحتاج إلى شعور عميق بأن الدولة التي تطلب منه الطاعة تمنحه في المقابل حماية عادلة وحقوقًا لا تتبدل بتبدل المزاج السياسي أو الإداري.
لهذا تحتاج مصر، وهي تقترب من عام 2030، إلى ما يمكن تسميته عقدًا قانونيًا جديدًا. لا أقصد دستورًا جديدًا بالضرورة، ولا وثيقة إنشائية أخرى تضاف إلى الرفوف، بل أقصد تفاهمًا وطنيًا عميقًا يعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة على أساس واضح: لا سلطة فوق القانون، ولا حق بلا ضمانة، ولا أمن بلا عدالة، ولا تنمية بلا ثقة.
خبرتي في البرلمان علمتني أن التشريع قد يكون أداة بناء وقد يكون أداة إنهاك. القانون الجيد يفتح الطريق أمام المجتمع، والقانون المرتبك يغلقه. والقانون العادل يطمئن المواطن، والقانون الاستثنائي الممتد يجعله يعيش في قلق دائم. ولهذا فإن مستقبل مصر لا يحتاج فقط إلى قوانين أكثر، بل إلى قوانين أفضل، أكثر وضوحًا، وأقل اضطرابًا، وأشد احترامًا للدستور والحقوق والحريات.
العقد القانوني الجديد يجب أن يبدأ من الإنسان لا من السلطة. فالدولة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتنظيم حياة الناس وحماية حقوقهم. وحين تنسى الدولة هذه الحقيقة، تتحول القوانين من ضمانات إلى قيود، ومن أدوات تنظيم إلى أدوات سيطرة، ومن لغة مشتركة بين الحاكم والمحكوم إلى أوامر صادرة من طرف واحد.
مصر الممكنة تحتاج إلى أن تنتقل من منطق الإدارة بالقوانين إلى منطق الحكم بسيادة القانون. والفارق بين الاثنين كبير. الإدارة بالقوانين قد تعني كثرة التشريعات واللوائح والقرارات. أما سيادة القانون فتعني أن الجميع، سلطة ومواطنًا، يخضعون للقاعدة نفسها، وأن القانون لا يُستخدم عند الحاجة ولا يُعلّق عند الحرج.
أحد أهم عناصر هذا العقد الجديد هو الأمن القانوني. فالمواطن والمستثمر والموظف والطالب ورجل الأعمال يحتاجون جميعًا إلى معرفة القواعد التي تحكم حياتهم. لا يمكن لمجتمع أن يطمئن إذا كانت القوانين تتغير بسرعة تفوق قدرته على الفهم، أو إذا كانت الحقوق تبدو ثابتة في النصوص متحركة في التطبيق.
الأمن القانوني لا يعني الجمود، ولا يمنع الدولة من تحديث تشريعاتها. لكنه يعني أن يكون التغيير مفهومًا ومعلنًا ومناقشًا وخاضعًا للرقابة، لا مفاجئًا أو مرتبكًا أو محكومًا بردود أفعال عابرة. فالقانون الذي يصدر تحت ضغط اللحظة كثيرًا ما يترك آثارًا أبعد من اللحظة التي صنعته.
خلال العقود الماضية تراكمت في مصر طبقات كثيرة من القوانين الاستثنائية أو شبه الاستثنائية. بعضها صدر في ظروف أمنية حادة، وبعضها في سياقات سياسية مضطربة، وبعضها استمر بعد زوال أسبابه الأصلية. وهنا تكمن المشكلة. فالاستثناء، إذا طال عمره، يفقد طبيعته الاستثنائية ويتحول إلى جزء من البنية العادية للدولة.
لذلك يحتاج العقد القانوني الجديد إلى مراجعة شاملة لفلسفة الاستثناء. يجب أن يكون الأصل هو الحرية، والاستثناء مقيدًا ومؤقتًا ومبررًا وخاضعًا للمراجعة. ويجب ألا يسمح المجتمع بأن تتحول المخاوف الأمنية، مهما كانت مشروعة، إلى باب دائم لتقليص الحقوق أو تعليق الضمانات.
عنصر آخر لا يقل أهمية هو استعادة الثقة في أن القانون يحمي الجميع، لا أنه يطارد بعضهم أو يستثني بعضهم. فالمواطنة لا تكتمل إلا حين يشعر المختلف سياسيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا أن حقوقه محفوظة مثل غيره. الدولة التي تحمي المؤيد فقط لا تبني دولة قانون، بل تبني دائرة ولاء. أما الدولة التي تحمي المختلف، فهي التي تقترب من معنى الجمهورية الحقيقية.
هذا العقد القانوني الجديد يجب أن يعيد الاعتبار للبرلمان بوصفه مؤسسة تشريع ورقابة لا مجرد محطة إقرار. فقد عرفت من تجربتي النيابية أن أخطر ما يصيب الحياة التشريعية هو الاستعجال، وأن أخطر ما يصيب القانون أن يخرج دون حوار كافٍ مع المجتمع وأهل الاختصاص. التشريع الجيد يحتاج إلى وقت، وإلى جلسات استماع، وإلى احترام للرأي المخالف، وإلى تقدير للآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل نص.
كما يحتاج هذا العقد إلى محكمة دستورية قوية قادرة على حماية النص الأعلى، ومجلس دولة قادر على مراقبة الإدارة، وقضاء عادي مستقل، ونيابة عامة تعود إلى موقعها كحارس للشرعية، ومحاماة حرة لا تخشى أداء رسالتها. فكل هذه المؤسسات ليست جزرًا منفصلة، بل شبكة ضمانات إذا ضعف أحد أطرافها اهتز البناء كله.
مصر 2030 لا يمكن أن تُدار بعقل قانوني قديم. فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، والاقتصاد الرقمي، وحقوق الخصوصية، والجرائم العابرة للحدود، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني. وكلها ملفات تحتاج إلى تشريعات حديثة، لكن الأهم أنها تحتاج إلى فلسفة تشريعية تحمي الإنسان وسط هذا التحول، لا أن تتركه مكشوفًا أمام السلطة أو السوق أو التكنولوجيا.
ومن هنا فإن العقد القانوني الجديد يجب أن يوازن بين ثلاث ضرورات: ضرورة الأمن، وضرورة الحرية، وضرورة التنمية. وحين تطغى واحدة منها على الأخريين يختل البناء. الأمن بلا حرية يتحول إلى خوف، والحرية بلا قانون تتحول إلى فوضى، والتنمية بلا عدالة تتحول إلى أرقام لا يشعر بها الناس.
لا أتصور أن هذه المهمة سهلة. فإعادة بناء الثقة القانونية تحتاج إلى وقت، وإلى شجاعة سياسية، وإلى مصارحة وطنية. لكنها ممكنة إذا بدأنا من الاعتراف بأن مصر لا تحتاج فقط إلى إصلاحات قطاعية متفرقة، بل إلى رؤية قانونية جامعة تعيد بناء العلاقة بين النص والتطبيق، وبين المواطن والمؤسسة، وبين الدولة والدستور.
أول خطوة في هذا الطريق هي إطلاق مراجعة وطنية شاملة للتشريعات المقيدة للحريات، وقوانين الحبس الاحتياطي، والكيانات الإرهابية، والإجراءات الجنائية، والعقوبات التكميلية، والتدابير الاحترازية. ليست المراجعة هنا هدمًا للدولة، بل صيانة لها. فالدولة التي تراجع قوانينها تثبت أنها واثقة من نفسها وقادرة على تصحيح مسارها.
وثاني خطوة هي وضع ميثاق تشريعي يلتزم به البرلمان والحكومة عند إعداد القوانين المتصلة بالحقوق والحريات. ميثاق يفرض دراسة الأثر الدستوري والاجتماعي والاقتصادي لكل قانون، ويضمن الحوار العام، ويمنع تمرير النصوص الكبرى في عجلة أو غموض، ويفتح الباب أمام خبراء القانون والقضاة والمحامين والمجتمع المدني للمساهمة في صناعة التشريع.
وثالث خطوة هي بناء ثقافة قانونية عامة. فالقانون لا يعيش في المحاكم وحدها، بل يعيش في وعي الناس. المواطن الذي يعرف حقه أقدر على حمايته، والموظف الذي يفهم حدود سلطته أقل ميلًا إلى التعسف، والشرطي الذي يتعلم معنى الضمانات الدستورية أكثر قدرة على حماية الأمن دون انتهاك القانون.
ورابع خطوة هي ربط العدالة بالتنمية ربطًا واضحًا. فكل خطة اقتصادية يجب أن تسأل: هل لدينا قضاء قادر على حماية العقود؟ هل لدينا إجراءات سريعة لحسم النزاعات؟ هل لدينا ضمانات كافية للملكية؟ هل يستطيع المستثمر الصغير قبل الكبير أن يجد إنصافًا في وقت معقول؟ هذه الأسئلة ليست هامشية، بل في قلب أي مشروع تنموي حقيقي.
العقد القانوني الجديد ليس حلمًا مثاليًا، بل ضرورة عملية. فمصر التي تريد أن تدخل المستقبل بثقة لا تستطيع أن تحمل معها كل أثقال الماضي القانوني. تحتاج إلى شجاعة التخلص من النصوص التي استهلكها الزمن، ومراجعة النصوص التي أثبتت الممارسة خطرها، وتطوير النصوص التي أصبحت عاجزة عن ملاحقة الواقع.
ربما تعلمت من تجربتي الشخصية أن الإنسان يستطيع أن يتحمل ظلمًا عابرًا، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا في غياب اليقين. واليقين القانوني هو ما يمنح الناس القدرة على التخطيط لحياتهم، وعلى الإيمان بأن الغد لا يصنعه قرار مفاجئ أو إجراء غامض أو استثناء مفتوح.
مصر الممكنة في عام 2030 تحتاج إلى هذا اليقين. تحتاج إلى أن يعرف المواطن أن حريته ليست رهنًا بالخوف، وأن ملكيته ليست رهنًا بالاشتباه، وأن صوته السياسي ليس تهمة، وأن المحكمة ليست آخر المطاف بعد سنوات من الإنهاك، بل طريق طبيعي للإنصاف.
هناك فقط يمكن أن نتحدث عن دولة قانون حقيقية. دولة لا تكتفي بأن تمتلك قوانين، بل تمتلك عدالة. ولا تكتفي بأن تكتب الحقوق، بل تحميها. ولا تكتفي بأن تطلب من الناس احترام القانون، بل تبدأ بنفسها احترامه.
هذا هو العقد القانوني الذي تحتاجه مصر. عقد لا يوقعه السياسيون وحدهم، ولا يكتبه الفقهاء وحدهم، بل تصنعه أمة قررت أن تدخل المستقبل لا بذاكرة الخوف، بل بثقة القانون.







