ذاكرة التاريخمصر

عبد الرحمن تاج.. شيخ الأزهر الذي أذهل سعد زغلول وأسّس مدينة البعوث الإسلامية

يُعد الإمام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج الحنفي، الإمام الـ42 في تاريخ مشيخة الجامع الأزهر الشريف، أحد أبرز علماء الأزهر في القرن العشرين، إذ جمع بين التكوين الأزهري الأصيل والدراسة الأكاديمية الحديثة، وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، قبل أن يتولى مشيخة الأزهر ويترك بصمات بارزة، من بينها إدخال تدريس اللغات الأجنبية والمساهمة في إنشاء مدينة البعوث الإسلامية.

مولده ونشأته

ولد الشيخ عبد الرحمن تاج بن علي بن حسين بن تاج الحنفي سنة 1314هـ، الموافق 1896م، في محافظة أسيوط، بينما تعود أصول أسرته إلى قرية منية الحيط بمحافظة الفيوم.

نشأ في أسيوط، حيث كان جده حسين ووالده علي يعملان في إقامة قناطر أسيوط وإسنا، وبدأ تعليمه بحفظ القرآن الكريم وإتقان تلاوته، إلى جانب حفظ عدد من المتون العلمية.

وظهرت علامات النبوغ عليه منذ طفولته، إذ لفت ذكاؤه وسرعة بديهته وسداد إجاباته انتباه الزعيم سعد زغلول، الذي كان يشغل منصب وزير المعارف، خلال جولة تفتيشية في صعيد مصر تضمنت زيارة الكُتّاب الذي كان يتعلم فيه.

وأُعجب سعد زغلول بالطفل عبد الرحمن تاج، وقرر إلحاقه بالمدارس الأميرية على نفقة الدولة طوال مراحل تعليمه، إلا أن جده رفض ذلك، وتمسك بأن يواصل حفيده تعليمه في الأزهر، ليتلقى علوم الدين على أيدي كبار علمائه.

الدراسة الأزهرية والتخصص في القضاء الشرعي

انتقلت أسرة الشيخ عبد الرحمن تاج إلى الإسكندرية، فالتحق بالمعهد الأزهري في المدينة سنة 1910، وشهد له أساتذته بالتفوق والنبوغ.

وحصل على شهادة العالمية سنة 1923، ثم التحق بمعهد القضاء الشرعي، ونال شهادة التخصص سنة 1926.

وعُيّن بعد ذلك مدرسًا في معهد أسيوط الأزهري، ثم انتقل إلى معهد القاهرة الأزهري، قبل أن يُعيّن سنة 1933 مدرسًا بقسم تخصص القضاء في كلية الشريعة.

وفي سنة 1935، اختير عضوًا في لجنة الفتوى ممثلًا للمذهب الحنفي، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل العلمي والفقهي داخل المؤسسة الأزهرية.

رحلة السوربون والدكتوراه في الفلسفة وتاريخ الأديان

وقع الاختيار على الشيخ عبد الرحمن تاج سنة 1936 ليكون عضوًا في بعثة الأزهر إلى جامعة السوربون في فرنسا، فاصطحب أسرته إلى باريس، ودرس اللغة الفرنسية حتى أتقنها، ثم واصل دراسته الجامعية.

وتزامنت دراسته مع اندلاع الحرب العالمية الثانية واشتداد أحداثها، إلا أن أعباء الأسرة وظروف الحرب لم تمنعه من مواصلة البحث والتعمق في دراساته.

وحصل سنة 1942 على درجة الدكتوراه في الفلسفة وتاريخ الأديان عن أطروحته «البابية والإسلام»، ثم عاد إلى مصر سنة 1943.

وعقب عودته، عُيّن مدرسًا بكلية الشريعة في قسم تخصص القضاء الشرعي، واستمر عضوًا في لجنة الفتوى، ثم تولى منصب السكرتير الفني للجنة.

مناصبه العلمية والإدارية

تدرج الشيخ عبد الرحمن تاج في عدد من المناصب العلمية والإدارية داخل الأزهر، فعُيّن مفتشًا للعلوم الدينية والعربية بالمعاهد الدينية، ثم قائمًا بإدارة كلية الشريعة، وبعدها قائمًا بإدارة معهد الزقازيق.

كما تولى مشيخة القسم العام والبعوث الإسلامية بالأزهر، وأشرف على إرسال البعثات الدينية إلى مختلف الأقطار الإسلامية، ووضع قواعد دقيقة لتنظيمها وتحقيق أهدافها العلمية والدعوية.

وخلال تلك المرحلة، أعد رسالته المهمة في «السياسة الشرعية»، التي نال بها عضوية جماعة كبار العلماء سنة 1951.

واختير بعد ذلك أستاذًا للشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، مع احتفاظه بعضويته في جماعة كبار العلماء ولجنة الفتوى.

كما اختير عضوًا في لجنة إعداد الدستور، وشارك في أعمالها حتى انتهت من مهمتها.

تعيينه شيخًا للأزهر

صدر مرسوم جمهوري سنة 1954 بتعيين الشيخ عبد الرحمن تاج شيخًا للجامع الأزهر، ليصبح الإمام الـ42 في تاريخ مشيخة الأزهر الشريف.

وشهد الأزهر خلال فترة توليه المشيخة عددًا من الخطوات الإصلاحية المهمة، إذ قرر تدريس اللغات الأجنبية لطلاب الأزهر، انطلاقًا من رؤيته لأهمية انفتاح المؤسسة الدينية على العالم وقدرتها على التواصل مع الشعوب والثقافات المختلفة.

كما اهتم بإصلاح النظم الإدارية وقواعد الامتحانات، والعمل على تطوير أساليب التعليم داخل المعاهد والكليات الأزهرية.

تأسيس مدينة البعوث الإسلامية

كان إنشاء مدينة البعوث الإسلامية من أبرز المشروعات التي ارتبطت بعهد الشيخ عبد الرحمن تاج، إذ جرى الاتفاق على إنشائها لتوفير السكن والرعاية للطلاب الوافدين من مختلف دول العالم للدراسة في الأزهر.

وضمت المدينة 41 عمارة سكنية، إلى جانب مسجد ومكتبة وعيادة طبية ومطابخ ومرافق خدمية وساحات للألعاب الرياضية.

ومثلت مدينة البعوث خطوة مهمة في دعم رسالة الأزهر العالمية، وتوفير بيئة تعليمية واجتماعية مناسبة للطلاب القادمين من شتى الأقطار، بما يساعدهم على تحصيل العلوم الشرعية والعربية والعودة إلى بلدانهم حاملين رسالة الأزهر.

أبحاثه ودراساته

واصل الشيخ عبد الرحمن تاج البحث والتأليف طوال حياته، وأعد قبل وفاته بنحو خمس سنوات بحثًا موسعًا حول حروف الزيادة في القرآن الكريم، استغرق منه وقتًا وجهدًا كبيرين.

وخلال فترة تدريسه في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، كان يؤلف كل عام كتابًا يجمع فيه محاضراته، ويوزعه على الطلاب في صورة ملازم علمية.

وتناولت تلك المذكرات عددًا من القضايا الفقهية والقانونية، من بينها الشفعة والبيوع والمواريث والطلاق، إلى جانب موضوعات أخرى في الفقه المقارن والتشريع الإسلامي.

أبرز مؤلفاته

ترك الشيخ عبد الرحمن تاج عددًا من المؤلفات والبحوث العلمية، أبرزها:

  1. البابية وعلاقتها بالإسلام باللغة الفرنسية.
  2. السياسة الشرعية في الفقه الإسلامي.
  3. الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية.
  4. مذكرة في الفقه المقارن.
  5. تاريخ التشريع الإسلامي.
  6. مناسك الحج وحكمها.
  7. الإسراء والمعراج.
  8. حكم الربا في الشريعة الإسلامية.
  9. شركات التأمين من وجهة النظر الإسلامية.
  10. بحوث متعددة في اللغة العربية.
  11. من الدراسات اللغوية في بعض الآيات القرآنية.
  12. بحوث في بعض الآيات القرآنية من الناحية العلمية.

وفاة الشيخ عبد الرحمن تاج

ظل الشيخ عبد الرحمن تاج متمسكًا بالبحث والدراسة رغم تقدمه في العمر ومعاناته من المرض وأعباء الحياة.

وتوفي يوم السبت 30 ربيع الأول سنة 1395هـ، الموافق 12 أبريل 1975، عقب انتهائه من أداء صلاة المغرب، بينما كان يستغفر الله ويسبح ويحمد ويكبر.

ورحل الإمام الأكبر بعد حياة حافلة بالعلم والتعليم والإدارة والإصلاح، تاركًا إرثًا علميًا وفكريًا بارزًا، ومشروعات لا تزال شاهدة على رؤيته لدور الأزهر العالمي.

ومثلت مسيرته نموذجًا للعالم الأزهري المستنير الذي جمع بين علوم الشريعة والدراسات الفلسفية الحديثة، وسعى إلى تطوير الأزهر مع الحفاظ على هويته العلمية والدينية، فيما بقي إدخال اللغات الأجنبية وإنشاء مدينة البعوث الإسلامية من أبرز إنجازاته في خدمة طلاب العلم ونشر رسالة الأزهر في مختلف أنحاء العالم.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى