مقالات وآراء

فرج المجبري يكتب: التنازل..متى يكون رفعة للوطن، ومتى يصبح سقوطًا له؟

لا أحد يختلف على أن التنازل قد يكون فضيلة، بل قد يكون في لحظات معينة أعلى درجات المسؤولية الوطنية. فالدول لا تُبنى بالعناد، ولا تنتهي الحروب إلا عندما يقدم الجميع شيئًا من أجل المصلحة العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول مفهوم “التنازل” إلى شعار فضفاض يُستخدم لتبرير كل شيء، حتى التنازل عن العدالة، وعن القانون، وعن الدولة نفسها.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نتنازل؟ بل: عمّ نتنازل؟ ولمن؟ ومن أجل ماذا؟

قبل الحديث عن أي تنازل، يجب أولًا تحديد المشروع السياسي بوضوح. هل المشروع هو بناء دولة المؤسسات والقانون؟ أم هو مجرد بناء تفاهمات سياسية جديدة، وإعادة توزيع السلطة والنفوذ بين القوى المتصارعة؟ لأن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين بناء وطن، وإعادة تدوير الأزمة.

فالتنازل الذي يكون في سبيل الوطن هو التنازل عن المصالح الشخصية، وعن المكاسب الفئوية، وعن خطاب الكراهية والانتقام، وعن احتكار السلطة، وعن الرغبة في الإقصاء. هذا تنازل يرفع أصحابه لأنه يفتح الطريق أمام دولة تتسع للجميع.

أما التنازل الذي يكون على حساب العدالة، فهو ليس تنازلًا، بل خيانة لفكرة الدولة نفسها.

لا يمكن أن يُطلب من الضحايا أن يتنازلوا عن حقهم في الإنصاف، ولا من المجتمع أن يتسامح مع الإفلات من العقاب، ولا من الوطن أن يقبل بأن يصبح الفساد جزءًا من التسوية السياسية.

فالدولة التي تُبنى على تجاوز الجرائم، وغض الطرف عن الفساد، وإعادة تقديم المسؤولين عن الانهيار باعتبارهم شركاء في الحل، إنما تؤسس لأزمة أكبر من تلك التي تحاول إنهاءها.

ولا يكون التنازل رفعة عندما يتحول إلى وسيلة لتنصيب المجرمين، أو تبييض الفاسدين، أو منح الشرعية لمن استغل السلاح أو المال أو النفوذ لفرض نفسه على الليبيين.

ولا يكون التنازل شجاعة عندما يؤدي إلى سحق الاقتصاد، وإضعاف المؤسسات، وتقاسم مقدرات الدولة بين مراكز القوى، وتحويل المناصب العامة إلى جوائز ترضية، تُمنح على أساس الولاءات لا الكفاءة.

فالأوطان لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تنهار عندما يصبح الفاسد رجل دولة، ويصبح صاحب السلاح رجل سلام، ويصبح احترام القانون مجرد تفصيل يمكن تجاوزه تحت عنوان “التوافق”.

إن أخطر أنواع التنازل هو ذلك الذي يجعل الدولة تدفع ثمن أخطاء السياسيين، ويجعل الشعب يتحمل كلفة الصفقات التي تُعقد باسم الاستقرار.

فالاستقرار الحقيقي لا يولد من توزيع المناصب، وإنما من بناء مؤسسات مستقلة، وقضاء عادل، وإدارة كفؤة، واقتصاد يحمي كرامة المواطنين، وسلطة تستمد شرعيتها من القانون وإرادة الشعب، لا من موازين القوة.

ولذلك، فإن أي دعوة إلى التنازل ينبغي أن تسبقها إجابة واضحة عن سؤال جوهري:

ما هو المشروع الذي نتنازل من أجله؟

إذا كان المشروع هو بناء دولة القانون، فإن التنازل يصبح قيمة وطنية نبيلة.

أما إذا كان المشروع هو إعادة إنتاج منظومة المحاصصة، وتقاسم النفوذ، وتأجيل الاستحقاقات، وإعادة تدوير الوجوه نفسها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، فإن التنازل لا يكون رفعة، بل يصبح سقوطًا سياسيًا وأخلاقيًا، وقد يتحول إلى ضياع وطن بأكمله.

فالتاريخ لا يحاسب الشعوب لأنها رفضت التنازل، وإنما يحاسب النخب لأنها تنازلت عن المبادئ التي لا يجوز التنازل عنها.

فالعدالة ليست محل تفاوض، وسيادة القانون ليست بندًا في صفقة سياسية، وكرامة المواطنين ليست ورقة للمساومة، والدولة ليست غنيمة توزع بين المتنافسين.

إن ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من التسويات التي تُرضي النخب وتُخيّب آمال الشعب، بل تحتاج إلى مشروع وطني واضح، يحدد غايته قبل أن يطلب من الناس تقديم التضحيات. فحين تكون البوصلة هي بناء الدولة، يصبح التنازل قوة. أما حين تكون البوصلة هي اقتسام السلطة، فإن كل تنازل جديد لا يؤجل الأزمة فحسب، بل يعمقها ويورثها للأجيال القادمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى