مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: من القلمون إلى القصير: هل يدخل لبنان مرحلة الاشتباك السوري – الإيراني؟

لم يعد الحديث عن احتمال تحرك سوري على الجبهة الممتدة من القلمون إلى القصير مجرد تكهنات إعلامية، بل بات جزءًا من نقاش استراتيجي أوسع يرتبط بإعادة رسم التوازنات في المشرق بعد الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، وتبدل موقع دمشق الإقليمي والدولي. فمنذ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، ظهرت مؤشرات متزايدة على أن سوريا تُدفع نحو دور أمني جديد تحت عنوان مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، وهو ما ترافق مع خطاب أميركي متكرر يعتبر أن مسؤولية معالجة ملف سلاح حزب الله لا يمكن أن تبقى محصورة بلبنان وحده.

في هذا السياق، تبدو المنطقة الحدودية بين القلمون والقصير الأكثر حساسية، لأنها تشكل عقدة جغرافية تربط سوريا بلبنان، وتداخلت فيها طوال سنوات الحرب شبكات الإمداد والتهريب والنفوذ العسكري. ومن هنا، فإن أي تحرك سوري محتمل لن يكون بالضرورة انتشارًا واسعًا داخل الأراضي اللبنانية، بل قد يأخذ شكل توغل محدود في جيب حدودي بهدف فرض واقع أمني جديد على خط التماس بين البلدين.

غير أن خطورة المشهد لا تكمن في حجم التدخل المحتمل، بل في الرسائل المتبادلة التي بدأت تظهر على الساحة السورية. فالقصف الإيراني لمنطقة التنف يمكن فهمه كإشارة إلى أن طهران تراقب التحولات السورية بقلق، وأنها تعتبر أي استهداف مباشر لحزب الله في لبنان جزءًا من معركة إقليمية مفتوحة قد تنتقل إلى الداخل السوري نفسه. وهنا تصبح سوريا ساحة ردع متبادل بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما، بينما يجد لبنان نفسه في قلب هذه المعادلة من دون قدرة فعلية على التحكم بمسارها.

أما على الداخل اللبناني، فإن التداعيات قد تكون أعمق بكثير من أي مواجهة عسكرية محدودة. فأول ما ستفعله هذه التطورات هو إعادة إحياء الانقسام التقليدي حول سلاح حزب الله، لكن هذه المرة ضمن ظروف أكثر خطورة. ففريق لبناني قد يرى في التحرك السوري محاولة لضبط الحدود واستعادة جزء من سيادة الدولة اللبنانية، بينما سيعتبره فريق آخر استهدافًا مباشرًا للمقاومة ومحاولة لتغيير موازين القوى الداخلية بالقوة.

هذا الانقسام السياسي مرشح للتحول إلى توتر أمني في المناطق الحدودية والبقاعية، حيث تتداخل الاعتبارات العائلية والطائفية والحزبية مع الواقع الجغرافي. كما أن أي اشتباك بين قوات سورية ومجموعات مرتبطة بحزب الله قد يدفع الحزب إلى إعادة توزيع قواته داخل لبنان، الأمر الذي سينعكس على الوضع الأمني في أكثر من منطقة.

اقتصاديًا، سيواجه لبنان ضغوطًا إضافية. فمجرد تحول الحدود الشرقية إلى ساحة توتر سيؤثر على حركة النقل والتجارة مع سوريا والعراق، ويزيد من المخاوف لدى المستثمرين والجهات المانحة. كما أن أي تصعيد أمني سيؤخر مجددًا فرص التعافي الاقتصادي الهش الذي يحاول لبنان التمسك به.

لكن التبعات الأخطر تبقى سياسية واستراتيجية. فإذا دخلت سوريا فعليًا في مواجهة مع حزب الله على الحدود، فإن ذلك سيعني عمليًا انتقال الصراع من كونه نزاعًا لبنانيًا – إسرائيليًا إلى صراع متعدد الساحات، تشارك فيه دمشق وطهران وواشنطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة. عندها لن يعود السؤال حول مستقبل سلاح حزب الله فقط، بل حول مستقبل التوازن الداخلي اللبناني نفسه، وإمكان بقاء الدولة اللبنانية خارج محور المواجهة الإقليمية.

إن لبنان يقف اليوم أمام احتمال نشوء معادلة غير مسبوقة: دولة سورية تسعى إلى تثبيت دورها الإقليمي الجديد، وإيران تدافع عن أحد أهم أذرع نفوذها، والولايات المتحدة تضغط لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق، بينما يبقى الداخل اللبناني الحلقة الأكثر هشاشة في هذا الاشتباك. وفي حال لم تنجح القوى اللبنانية في تحييد الساحة الداخلية عن هذه المواجهة، فإن البلاد قد تدخل مرحلة من الاستقطاب الحاد تتجاوز في خطورتها كل ما شهدته منذ اتفاق الطائف.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى