مصرملفات وتقارير

أطباء الامتياز معاناة لا تنتهي ومستقبل مجهول خلف أبواب المستشفيات الجامعية

يعيش أطباء الامتياز أزمات معيشية ومهنية خانقة تتفاقم حدتها في ظل غياب سياسات واضحة تضمن حقوقهم الأساسية وتصون كرامتهم المهنية داخل أروقة المؤسسات الطبية. تجسد قصة الطبيب حسام الفقي الذي فقد حياته نتيجة إصابته بعدوى التهاب سحائي داخل مستشفى الدمرداش في شهر ديسمبر من عام 2023 عقب سنوات من إقرار تعديل قانوني جمد مكافأتهم عند 2800 جنيه فقط، مأساة حقيقية تعكس كيف تحول هؤلاء الشباب من ركيزة أساسية للمنظومة إلى ضحايا لإهمال إداري جسيم.

تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة للمنظومة الصحية التي تصر على تصنيف هؤلاء الخريجين كطلاب متدربين لسلب حقوقهم العمالية بينما تستنزف طاقاتهم كأطباء ممارسين لسد العجز الصارخ في الكوادر البشرية. سجلت مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية واقعة تعسفية تمثلت في حظر دخول الأطباء لغرف العمليات والطوارئ، وهو ما أثار غضباً مهنياً واسعاً انتهى بلائحة بديلة لم تعالج جوهر الخلل التنظيمي في منظومة التدريب الطبي المتهالكة التي تعاني من غياب برامج حقيقية.

فجوة التدريب والضغط الإداري

تؤكد الطبيبة “م. خ” من مستشفى القصر العيني بالقاهرة أن التكدس العددي يمنع الأطباء ذوي الخبرة من التفرغ لتدريب وتوجيه الخريجين الجدد، مما يضطرهم للاجتهاد الفردي لمواجهة الحالات الطارئة. ترصد الطالبة “ر. أ” من مستشفى مدينة السنطة بالغربية واقعاً مريراً حيث تُختزل مهام الطبيب في نقل عينات الدم بين المعامل وتوجيه المرضى وسط الممرات، بدلاً من تلقي التدريب الطبي الممنهج الذي يحتاجه المتخصصون لبناء مسارهم المهني في القطاع الطبي.

تتفاقم ظاهرة الابتزاز الإداري بشكل مخيف وفقاً لرصد الطبيبة “م. أ” من القاهرة، حيث تُجبر الأطقم على القيام بمهام إدارية روتينية مثل إنهاء إجراءات إذن القبول للمرضى، ويصل التعنت إلى حد مصادرة الهوية الجامعية أو البطاقات الشخصية للطبيب كضمان لإنهاء الأوراق. يمثل هذا التهديد بتأخير التخرج أو إعادة سنة التدريب “الراوند” أداة قمعية تستخدمها الإدارات لفرض أوضاع مهنية مهينة بعيدة كل البعد عن ممارسة الطب.

غياب الحماية الصحية والأمان

تتحمل الكوادر الطبية الشابة تكاليف باهظة لضمان سلامتهم الشخصية في ظل غياب توفير أدوات الوقاية، حيث أوضحت “م. خ” أن سعر مصل الالتهاب السحائي يصل إلى 1000 جنيه، وهو مبلغ يمثل نسبة كبيرة من المكافأة الشهرية الهزيلة. يشير الطبيب “م. أ” إلى أن توزيع وسائل الحماية يقتصر على وحدات الرعاية المركزة فقط، مما يضطر الأطباء في الأقسام الأخرى للتعامل المباشر مع العينات المعدية دون وقاية كافية.

يكشف الطبيب “ح. ف” من استقبال مستشفى طنطا الجامعي عن مشهد مؤلم يضطر فيه الأطباء لطلب القفازات الطبية من أهالي المرضى مباشرة، وفي حال غياب المرافق يضطر الطبيب لاستخدام يديه المجردتين للتعامل مع الدماء. تعاني بيئة العمل من انهيار لوجستي كامل مع ساعات عمل تصل إلى 100 ساعة في الأسبوع، بالإضافة إلى تردي أحوال السكن الجامعي الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة لآلاف الأطباء.

تتجلى حالة الإحباط العام في بيانات نقابة الأطباء التي سجلت أكثر من 21068 استقالة من العمل الحكومي مطلع عام 2022، بحثاً عن فرص أكثر تقديراً. تشير دراسة للجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى تراجع نصيب المواطن من الأطباء ليصل إلى طبيب لكل 1162 مواطناً، بينما توضح دراسة بمجلة “Scientific Reports” أن 88% من الأطباء تعرضوا لعنف لفظي و42% لاعتداءات جسدية، مما يعزز الرغبة الجماعية في الرحيل عن الخدمة الحكومية.

تتضح الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية كما يرى الدكتور مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بالبرلمان، الذي طالب بالعودة لنظام المكافأة المرتبط بنسبة 80% من راتب الطبيب المقيم بدلاً من المكافأة المقطوعة. يشدد الدكتور خالد الأمين، الأمين المساعد لنقابة الأطباء، على ضرورة إنشاء سلطة تنظيمية لإنهاء التخبط، عبر مشروع قانون جديد يضمن برنامجاً تدريبياً موحداً، ويمنع استغلال الأطباء كعمالة، ويرفع المكافأة المالية لمستوى عادل يقي الشباب شر الحاجة للعمل في مهن جانبية لا تمت للطب بصلة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى