
لم يكن الدكتور ضياء العوضي، رحمه الله، مجرد طبيب قدم نظامًا غذائيًا مختلفًا، بل أصبح ظاهرة عربية عابرة للحدود. استطاع من خلال مقاطع مصورة أن يدفع أعدادًا كبيرة من الناس، من المحيط إلى الخليج، إلى الامتناع عن الدجاج الأبيض وبيض المائدة وغيرهما، حتى تجاوز تأثير خطابه موائد البيوت إلى السوق، وتعرض منتجون ومربون وتجار لخسائر كبيرة نتيجة تراجع الطلب.
لا أكتب هنا لمهاجمة رجل رحل، ولا لإنكار حقيقة التلوث الذي يحيط بنا. فكل عاقل يدرك حجم ما نتجرعه يوميًا من ملوثات الطعام والماء والهواء، ويدرك كذلك ضعف الرقابة، وسوء استخدام المبيدات والمضادات الحيوية، وانتشار الغش في عدد من حلقات إنتاج الغذاء.
لكن الاعتراف بوجود التلوث لا يعني التسليم بكل حكم يصدر باسم مقاومته. والقول إن بعض مزارع الدواجن قد تستخدم أساليب ضارة يختلف جذريًا عن إصدار حكم عام بأن الدجاج الأبيض أو البيض مصدر للمرض في ذاته.
السؤال الأهم ليس: هل كان العوضي مصيبًا في كل ما قال أم مخطئًا؟ بل: كيف استطاع فرد واحد أن يتحول إلى مرجعية صحية وغذائية لملايين البشر، وأن يؤثر في دورة اقتصادية كاملة؟
أول الإجابات هو اقتصاد الانتباه. فالمنصات الرقمية لا تكافئ الفكرة الأكثر دقة، بل الرسالة الأكثر صدمة وقدرة على إثارة الخوف. الطبيب الذي يقول إن جودة الدواجن تختلف، وإن الأمر يحتاج إلى رقابة وفحوص وتحليل لكل حالة، لا يجذب الجمهور مثل من يقول ببساطة: «لا تأكلوا الدجاج الأبيض».
اقتصاد الانتباه يكره الاحتمالات والتفاصيل، ويمنح الشهرة لمن يقدم يقينًا كاملًا، وعدوًا واضحًا، وحلًا سريعًا. وهكذا ينتقل الطبيب من صاحب رأي قابل للمناقشة إلى «مؤثر»، ثم يتحول المؤثر إلى مرجعية بديلة للمختبر والمؤسسة العلمية.
لكن الظاهرة تكشف كذلك عن تعاظم مؤشرات تحول المجتمع العربي نحو النيوليبرالية؛ لا بوصفها سياسة اقتصادية فقط، بل فلسفة تعيد تشكيل الإنسان. فالنيوليبرالية تقول للفرد: أنت المسؤول وحدك عن نجاحك وفشلك، وصحتك ومرضك، وطعامك وجسدك.
إذا مرضت، فلا تسأل عن تلوث الهواء، أو فساد الغذاء، أو ضعف المستشفيات، أو غياب الرقابة؛ بل اسأل نفسك: ماذا أكلت؟ وهل التزمت بالنظام الصحيح؟ وهل امتلكت الوعي الكافي لإنقاذ نفسك؟
وهكذا تتحول الصحة من حق اجتماعي ومسؤولية عامة إلى مشروع فردي. يصبح الجسد شركة صغيرة، وصاحبه مديرًا لها، مطالبًا طوال الوقت بإدارة مخاطره بنفسه.
بدلًا من أن نطالب الدولة بإصلاح صناعة الدواجن، أو نشكل هيئات مجتمعية مستقلة لغرض المراقبة والمراجعة، نمتنع عن أكل الدجاج. وبدلًا من فرض رقابة على الأعلاف والمضادات الحيوية، نخرج البيض من طعامنا. وبدلًا من إصلاح النظام، ينسحب كل فرد إلى قائمة خاصة من المسموحات والممنوعات.
إنها الفردانية في أوضح صورها: أنقذ نفسك بدلًا من أن تصلح المجتمع.
هذا الانسحاب يمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالقوة. فهو لا يستطيع مراقبة المصانع والمزارع، لكنه يستطيع الامتناع عن شراء دجاجة. غير أن القرار الذي يبدو فرديًا لا يبقى فرديًا عندما يتخذه مئات الآلاف.
يتراجع الطلب، وتتراكم المنتجات، وتنخفض الأسعار، ويخسر صغار المربين، وتغلق بعض المزارع، ويخرج منتجون من السوق. وبعد فترة يتركز الإنتاج في يد الكيانات الأكبر، ثم يقل المعروض وترتفع الأسعار من جديد.
كل فرد يظن أنه يحمي جسده فقط، لكنه يشارك، من حيث لا يشعر، في إعادة تشكيل السوق وفي التأثير في أرزاق آلاف الأسر.
أما الجذر الأعمق للظاهرة فهو الاستغناء بالذات: أن يظن الإنسان أن تجربته الشخصية، أو ما قرأه وانتقاه من معلومات، يكفي لتأسيس معرفة عامة تتجاوز المؤسسات والتخصصات والتجارب العلمية المتكررة.
قد يكون صاحب الخطاب صادقًا، وقد تكون لديه ملاحظات صحيحة، وقد تتحسن بعض الحالات بالفعل. لكن التجربة الشخصية لا تصبح علمًا لمجرد تكرارها على الشاشة. الطب لا يبنى على الشهادات المؤيدة وحدها، بل على الدراسات المقارنة، والتحقق المستقل، ومراجعة النتائج، والاعتراف بالفشل والخطأ.
والأخطر أن هذا الاستغناء ينتقل إلى الجمهور. يشاهد المتابع عشرات المقاطع، فيشعر أنه أصبح قادرًا على تشخيص الأمراض، ومنع الأغذية، وإيقاف الأدوية، ومجادلة المتخصصين. وهكذا يلتقي يقين المتكلم بيقين المتلقي، ويسقط بينهما التواضع المعرفي.
ثم يتحول النظام الغذائي إلى جماعة هوية: هناك «واعون» اكتشفوا الحقيقة، وآخرون ما زالوا مخدوعين. وهناك «طيبات» و«خبائث»، لا مجرد أغذية تختلف جودتها وتأثيراتها.
وعندما تدخل اللغة الأخلاقية والدينية إلى تصنيف الطعام، يصبح نقد النظام اعتداءً على وعي الجماعة، لا مناقشة علمية. وبعد وفاة العوضي، أصبح الدفاع عن أفكاره لدى بعض أتباعه ممزوجًا بالوفاء لذكراه، وكأن الرحمة بالرجل تقتضي عصمة أفكاره من النقد.
ومع ذلك، لا تستطيع المؤسسات أن تعفي نفسها من المسؤولية. فالفراغ الذي ملأه العوضي صنعته مؤسسات لا تشرح، ولا تنشر نتائج الفحوص، ولا تكشف المخالفين، ولا تحاسبهم علنًا، ثم تتعجب عندما يصدق الناس فردًا يتحدث بثقة أمام الكاميرا.
استعادة الثقة لا تتم ببيان رسمي يقول إن كل شيء آمن، بل بنشر البيانات، والكشف عن مصادر الأعلاف، ونسب بقايا المضادات الحيوية، وأسماء المخالفين، وإجراءات محاسبتهم، وإنشاء هيئات رقابة ومراجعة مستقلة.
إن ظاهرة العوضي أكبر من خلاف حول دجاجة أو بيضة. إنها تكشف انتقال المرجعية من المختبر إلى الشاشة، ومن المعرفة المتراكمة إلى الكاريزما، ومن إصلاح المجتمع إلى نجاة الفرد، ومن المسؤولية العامة إلى العبارة النيوليبرالية الباردة:
أنقذ نفسك، وليدفع الآخرون الثمن.
رحم الله الدكتور ضياء العوضي، لكن الرحمة بالرجل لا تعني تقديس أفكاره. فالخطر الحقيقي ليس أن يخطئ طبيب في تقدير غذاء، بل أن يصبح مجتمع كامل مستعدًا لإعادة تشكيل صحته واقتصاده اعتمادًا على خطاب فرد واحد، ثم يسمي ذلك وعيًا واستقلالًا.







