مصرملفات وتقارير

تآكل خصوبة التربة يهدد الإنتاج الزراعي في ظل أزمة مياه الآبار الجوفية

تتفاقم أزمة المياه الجوفية وتأثيرها على خصوبة التربة في العديد من المناطق الزراعية، مما يضع المزارعين أمام تحديات قاسية تهدد استدامة محاصيلهم واستقرار دخلهم السنوي في ظل نقص المياه السطحية. يتجه الكثير من العاملين في قطاع الزراعة إلى استغلال باطن الأرض كخيار اضطراري لتعويض نقص المياه المتدفقة عبر الترع، لكن هذه الممارسة تفتح الباب أمام مخاطر التملح وتدهور بنية الأراضي الزراعية بمرور الوقت، مما يتطلب تدخلات علمية دقيقة للحد من تلك الآثار السلبية المتراكمة على المحاصيل والموارد الطبيعية.

مخاطر الاعتماد على المياه الجوفية

يواجه المزارعون واقعاً معقداً حيث يضطر الكثيرون إلى حفر الآبار واستخدام الطلمبات لسحب المياه لري مساحاتهم الشاسعة، وذلك بعدما لاحظوا تراجعاً ملحوظاً في حصص المياه العذبة الواصلة إلى أراضيهم. تشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في الفترة بين عامي 2012 و2024 إلى قفزة نوعية في الاعتماد على مياه الآبار، حيث ارتفعت الكميات المستخدمة من قرابة 22.76 ألف متر مكعب في عام 2012 لتصل إلى 34.4 ألف متر مكعب في عام 2024. تعكس هذه الزيادة التي تقارب 51% تحولاً كبيراً في أنماط الري التي يتبعها الفلاحون لمواجهة شح الموارد المائية، خاصة في ظل تذبذب كميات المياه العذبة المتاحة.

تؤكد الدراسات العلمية، بما فيها بحث منشور عام 2024 في مجلة Scientific Reports، أن تدهور التربة في شمال شرق الدلتا يرتبط مباشرة بارتفاع منسوب المياه الجوفية المالحة الضحلة. وتصنف هذه الدراسة قرابة 64% من عينات التربة ضمن فئات شديدة الملوحة، مع وجود مخاطر شديدة تتعلق بارتفاع نسب الصوديوم التي تؤدي إلى تعجن التربة وضعف نفاذيتها للمياه. توضح النتائج أن المياه الجوفية الضحلة التي تتراوح أعماقها بين 0.5 و3 أمتار تحتوي على تركيزات عالية من الأملاح تتجاوز 20 ألف ملجم لكل لتر، مما يجعلها مصدراً دائماً للتهديد الذي يحد من قدرة الجذور على امتصاص الغذاء.

إدارة الأزمات وتحسين كفاءة الري

تتطلب مواجهة هذا الخطر الصامت تبني استراتيجيات إدارية متكاملة تتجاوز الحلول الفردية التقليدية، حيث يشدد الخبراء على ضرورة إجراء تحاليل دورية لخصائص المياه والتربة قبل البدء في عمليات الري. يوصي المتخصصون بمركز بحوث الصحراء بضرورة تحسين نظم الصرف الزراعي وإضافة الجبس الزراعي لتحسين بنية التربة، بالإضافة إلى التوسع في استخدام تقنيات الري الحديثة وخلط المياه المالحة بأخرى أقل ملوحة عند توفر البدائل. كما يمثل التوجه نحو زراعة الأصناف المتحملة للملوحة وإدارة المادة العضوية في التربة خطوات حاسمة لتقليل آثار الإجهاد الملحي على المحاصيل النقدية والاستراتيجية.

يؤكد الدكتور محمد السيد الحجري، رئيس وحدة الري والصرف، أن الاعتماد على المعالجة العلمية للمياه ودمجها في أنظمة الصوب الزراعية بدون تربة يمكن أن يرفع كفاءة الاستخدام بشكل كبير. وفي السياق ذاته، توضح الدراسات الحديثة مثل تلك التي قادها الدكتور عبد الرحمن سيد أحمد عام 2025 في الهضبة الصحراوية الغربية، أن أكثر من 62% من المناطق المدروسة تعاني من مخاطر قلوية مرتبطة بارتفاع تركيزات الصوديوم. تدفع هذه المعطيات إلى ضرورة تطبيق سياسات رصد ومتابعة دقيقة، تضمن التوازن بين الاحتياجات المائية للأرض وحماية تركيبتها الفيزيائية والكيميائية من التدهور الناتج عن الممارسات غير المدروسة، مما يحفظ للأجيال القادمة إرثاً زراعياً قادراً على العطاء والاستمرار رغم كل التحديات المناخية والمائية الراهنة التي تفرض نفسها على الساحة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى