اقتصادمصرملفات وتقارير

جمهورية المليون طن سمك: الإنتاج يفيض وحيتان الأسواق تلتهم جيوب المستهلكين

تتصاعد حدة الجدل حول ملف أسعار الأسماك في الأسواق المحلية، إذ تثير معدلات التضخم المستمرة تساؤلات ملحة حول التناقض بين وفرة الإنتاج وصعود التكاليف التي يتحملها المستهلك النهائي. وتكشف بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عن رصد زيادات سنوية متوالية، حيث سجل متوسط سعر كيلو الماكريل المجمد 171 جنيها بزيادة نسبتها 30% مقارنة بـ132.5 جنيه في العام الماضي، بينما وصل كيلو البلطي الأسواني إلى 93.96 جنيها بزيادة 5.5%، وبلغ سعر كيلو الوقار 298.46 جنيها بنسبة ارتفاع 27.9%، ووصل كيلو المكرونة السويسي إلى 129.44 جنيها بارتفاع 8.8%. وفي سياق متصل، تجاوز سعر كيلو الجمبري متوسط الحجم 400 جنيه مقارنة بـ314 جنيها بزيادة 19.76%، كما سجل الجمبري الصغير 289.6 جنيها مقابل 235 جنيها بزيادة 8.5%.

فجوة الإنتاج وتحديات الاستزراع السمكي

تتجاوز معدلات الإنتاج السمكي المحلية حاجز 2.4 مليون طن سنويا، ما يضع هذا القطاع في مرتبة متقدمة عالميا وعربيا وإفريقيا، وتوفر المزارع السمكية البالغ عددها 64 ألف مزرعة نحو 73% من المعروض بالسوق، بينما تسهم المصايد الطبيعية في البحر الأحمر والبحر المتوسط والبحيرات ونهر النيل، والتي تغطي مساحة 13.5 مليون فدان، بنحو 400 ألف طن. ورغم تحقق اكتفاء ذاتي يقدر بنحو 93%، إلا أن أسعار المأكولات البحرية تضاعفت نحو 4 مرات مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2016.

وتعاني المزارع السمكية من ضغوط تشغيلية خانقة، إذ تشكل الأعلاف نحو 80% من إجمالي التكاليف، مع تسجيل طن العلف سعرا يتراوح بين 28.5 ألف و31 ألف جنيه مقابل 21.5 ألف جنيه في العام الماضي. ويحتاج إنتاج كيلو واحد من البلطي إلى ما يقرب من 1.25 كيلو من الأعلاف، إضافة إلى ارتفاع إيجارات المزارع التي وصلت إلى 52 ألف جنيه وقد تبلغ 80 ألف جنيه حسب التجهيزات. وتفرض الأعباء الإضافية المتعلقة بالطاقة تكاليف باهظة، حيث تبلغ تكلفة إنشاء محطة طاقة متجددة 30 مليون جنيه، مع ضرورة الاحتفاظ بمولد وقود للطوارئ بسعر لا يقل عن 100 ألف جنيه، بينما تُحسب تعريفة الكهرباء بـ2.55 جنيه للكيلوواط.

سلاسل التداول وتحكم التجار في الأسعار

تتضاعف الأسعار بفعل حلقات التداول المتعددة من المزرعة وحتى وصول المنتج إلى منافذ البيع للمستهلك. ويؤكد أصحاب المزارع أن هوامش الربح المباشرة بسيطة، حيث يتم توريد كيلو البلطي بسعر 70 جنيها ليُباع للمستهلك بزيادة 30 جنيها إضافية، مع تحمل المربي تكاليف الزريعة، حيث يباع ألف وحدة من زريعة المبروك بـ255 جنيها، والبلطي بـ315 جنيها، علاوة على تكاليف العمالة الثابتة والمياه. وتتأثر الأسعار بآليات العرض والطلب التي تشتد وتيرتها عند تراجع إنتاج المصايد الطبيعية، مما يدفع المستهلكين للتوجه نحو أسماك المزارع.

ويواجه الصيادون أزمات مشابهة نتيجة ارتفاع تكاليف الرحلة البحرية، إذ يستهلك المركب الواحد 3 براميل سولار في الرحلة بقيمة 4500 جنيه، إضافة إلى 5 آلاف جنيه لزيت المحرك، و20 ألف جنيه للمؤونة الغذائية، وتكاليف الثلج وشباك الصيد، مما يضطر الكثيرين للارتهان لمديونيات تجار سوق العبور. وتتجه معظم الحمولات إلى الأسواق المركزية في العاصمة، مما يسبب نقصا في المعروض بالمدن الساحلية ذاتها. ويستمر الجدل حول جدوى التصدير، حيث احتلت الدولة المركز الثاني عالميا في صادرات البلطي عام 2024 بقيمة 9.4 مليون دولار، مع وجود 19 شركة مصدرة للأسماك البحرية إلى الاتحاد الأوروبي.

تستمر حملات المقاطعة الشعبية كأداة ضغط ضد الممارسات الاحتكارية، رغم ضعف تأثيرها المباشر في خفض الأسعار التي سجلت قفزات كبيرة في أصناف السردين والبلاميطة والماكريل. وتظل هذه المحاولات وسيلة لمواجهة تطلعات “حيتان السوق” الذين يتحكمون في توريد الأسماك. ومع استمرار هذه الأوضاع، يظل الأمن الغذائي مرتبطا بقدرة السوق على ضبط حلقات التداول، وتقليل الاعتماد على الواردات باهظة الثمن من الرخويات والقشريات، لضمان استقرار الأسعار التي أصبحت تشكل تحديا كبيرا للطبقات المتوسطة، في ظل معادلة معقدة بين حجم الإنتاج الوطني وتكاليف التصدير والاستهلاك.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى