مقالات وآراء

د. عمرو درّاج يكتب: غزة بعد الحرب… الصراع على إعادة الإعمار وإعادة تشكيل القطاع

تهدف هذه الورقة لاستعراض السياق السياسي والأمني للوضع الحالي في غزة، وذلك بهدف الإجابة عن السؤال المتعلق بإمكانية المضي قدمًا في خطط التعمير المنشودة للقطاع، والذي تستهدف تحقيقها عدد من الجهات، حتى يأخذ المخططون هذه الأوضاع في الاعتبار في وضع مخططاتهم المختلفة.

مدخل

منذ احتلال إسرائيل لقطاع غزة عام 1967، لم يكن القطاع مجرد رقعة جغرافية صغيرة على ساحل البحر المتوسط، بل تحول إلى إحدى أكثر الساحات تعقيدًا في الصراع العربي الإسرائيلي. فعلى مدار عقود، شهد القطاع نزوح أعدادًا من المهجرين الفلسطينيين في العام 1948، ثم الاحتلال المباشر، والاستيطان، والانتفاضات الفلسطينية، ثم الانسحاب الإسرائيلي الأحادي عام 2005، قبل أن يدخل مرحلة لاحقة اتسمت بالحصار والحروب المتكررة، لتصبح غزة واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية وتعرضًا للأزمات الإنسانية في العالم.

ومع اندلاع الحرب الأخيرة، دخل القطاع مرحلة غير مسبوقة من حيث حجم العمليات العسكرية، واتساع نطاق الدمار، والخسائر البشرية والمادية، والتغيرات التي طرأت على خريطته الميدانية والديموغرافية. ولم تعد القضية تقتصر على وقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر أهمية: كيف سيكون شكل غزة في اليوم التالي للحرب؟

ومن هنا، انتقل ملف إعادة الإعمار من كونه قضية إنسانية وتنموية إلى ملف استراتيجي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فإعادة بناء المدن والبنية التحتية لم تعد منفصلة عن النقاش الدائر حول الجهة التي ستدير القطاع، وطبيعة النظام السياسي والأمني الذي سيحكمه، ومستقبل المقاومة الفلسطينية، وحدود الدورين الإقليمي والدولي في إدارة المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، برزت رؤى ومشروعات متعددة لمستقبل غزة، بعضها يطرح إعادة الإعمار في إطار إنساني يهدف إلى تمكين السكان من استعادة حياتهم الطبيعية، بينما ينظر البعض الآخر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مدخلًا لإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في القطاع، وربط أي عملية إعمار بترتيبات جديدة تتعلق بالحكم، والأمن، والسلاح، وإدارة المعابر، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية.

وفي نفس الوقت، تكشف السياسات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ اندلاع الحرب، أن العمليات العسكرية لم تكن تستهدف فقط إضعاف القدرات العسكرية لفصائل المقاومة، وإنما ارتبطت أيضًا بمحاولة فرض واقع ميداني وسياسي جديد، يمنح إسرائيل سيطرة أمنية طويلة الأمد، ويعيد رسم البيئة الجغرافية والديموغرافية للقطاع بما يخدم أهدافها الاستراتيجية.

ومن ثَمَّ، فإن الاهتمام بمستقبل غزة لا يمكن أن يقتصر على القيام بجهود الإغاثة أو وضع خطط إعادة البناء، بل يتطلب قراءة أوسع لطبيعة الصراع الدائر حول القطاع، وللمصالح المتشابكة للأطراف المختلفة، وللترتيبات التي يجري الدفع بها إقليميًا ودوليًا تحت عنوان “اليوم التالي للحرب”؛ فالقضية لم تعد تدور حول إعادة إعمار ما دمرته الحرب فحسب، بل حول تحديد شكل غزة ومستقبلها، وهوية السلطة التي ستديرها، وطبيعة التوازنات الأمنية والسياسية التي ستقوم عليها المرحلة المقبلة.

وانطلاقًا من ذلك، نقوم من خلال هذه الورقة بتقديم قراءة وصفية وتحليلية لمسار قطاع غزة منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 وحتى المرحلة الراهنة، مع التركيز على التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة، واستعراض أبرز المشروعات المطروحة لمستقبل القطاع، وتحليل الأهداف الإسرائيلية، والترتيبات السياسية والأمنية الجاري الدفع بها، فضلًا عن مناقشة أبرز العقبات التي تواجه إعادة الإعمار، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل غزة في ضوء التطورات الراهنة.

أولًا: قطاع غزة منذ احتلال عام 1967… من الاحتلال المباشر إلى الحصار والحروب المتكررة

شكّل احتلال إسرائيل لقطاع غزة في يونيو 1967 بداية مرحلة جديدة في تاريخ القطاع، إذ أصبح خاضعًا للاحتلال العسكري المباشر بعد انتهاء الإدارة المصرية التي استمرت منذ عام 1948، وشهدت استيعاب عشرات الالاف من النازحين والمهجرين الفلسطينيين بعد احتلال أراضيهم في فلسطين التاريخية، أو ما اصطلح فلسطينيًا على تسميته “بالنكبة” . ومنذ الأيام الأولى للاحتلال، عملت إسرائيل على فرض سيطرتها الأمنية والإدارية على القطاع، وأقامت عددًا من المستوطنات، خاصة في منطقة جوش قطيف، كما عززت وجودها العسكري بهدف إحكام السيطرة على واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم.

وخلال العقود التالية، ظل قطاع غزة يمثل تحديًا أمنيًا مستمرًا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فاندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 كشف حدود القدرة العسكرية على إنهاء حالة المقاومة الشعبية، ثم جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000 لتؤكد مجددًا أن السيطرة العسكرية المباشرة لم تحقق لإسرائيل الأمن الذي كانت تسعى إليه، بل فرضت عليها أعباءً عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة.

وفي عام 2005، اتخذت إسرائيل قرار الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، فأخلت مستوطناتها وسحبت قواتها البرية من داخل القطاع. غير أن هذا الانسحاب لم يعنِ انتهاء السيطرة الإسرائيلية على غزة، إذ احتفظت إسرائيل بسيطرتها على المجال الجوي، والمياه الإقليمية، ومعظم المعابر، كما بقيت تتحكم بصورة كبيرة في حركة الأفراد والبضائع، وهو ما دفع العديد من المؤسسات والجهات القانونية الدولية إلى اعتبار أن الاحتلال، من الناحية القانونية، لم ينتهِ بصورة كاملة، رغم انتهاء الوجود العسكري الدائم داخل القطاع.

ومع سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، دخل القطاع مرحلة جديدة اتسمت بفرض حصار مشدد، رأت إسرائيل أنه وسيلة للضغط على الحركة وتقليص قدراتها العسكرية، بينما اعتبره الفلسطينيون وعدد من المنظمات الدولية شكلًا من أشكال العقاب الجماعي. وخلال هذه المرحلة، شهد القطاع سلسلة من الحروب والعمليات العسكرية المتكررة، كان أبرزها في أعوام 2008، و2012، و2014، و2021، ثم الحرب التي اندلعت عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، والتي تعد الأكبر والأوسع من حيث نطاق العمليات العسكرية وحجم الدمار والخسائر.

واعتمدت إسرائيل خلال تلك السنوات على استراتيجية تقوم على تنفيذ عمليات عسكرية دورية تستهدف تقليص القدرات العسكرية لفصائل المقاومة ، ومنع تطورها، وإعادة ترميم قوة الردع واغتيال قادة المقاومة، فيما عُرف في بعض الأدبيات الأمنية الإسرائيلية بسياسة “جز العشب”، التي تقوم على توجيه ضربات متكررة دون السعي إلى إنهاء الصراع بصورة نهائية. إلا أن هذه الاستراتيجية، رغم ما أحدثته من خسائر كبيرة، لم تنجح في إنهاء وجود فصائل المقاومة أو منعها من إعادة بناء جزء من قدراتها بعد كل جولة قتال.

وتكشف قراءة هذه المراحل أن السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة مرت بتحولات متعاقبة، انتقلت من الاحتلال العسكري المباشر، إلى الانسحاب الأحادي، ثم إلى الحصار، فإدارة الصراع عبر جولات عسكرية متكررة، وصولًا إلى الحرب الشاملة التي أعقبت أحداث أكتوبر 2023. إلا أن القاسم المشترك بين جميع هذه المراحل هو أن إسرائيل لم تتمكن من الوصول إلى صيغة تحقق لها استقرارًا أمنيًا دائمًا في القطاع وما حوله، وهو ما تسعى إليه في الوقت الراهن بعد توقف حرب طوفان الأقصى، بعد اتفاق شرم الشيخ الذي لم تلتزم إسرائيل به ، فما زالت إسرائيل تحكم الاغلاق على القطاع وتُضيق الخناق على سكانه، وتستهدف رموز المقاومة وعناصرها.

ومن ثَمَّ، يمكن القول إن قطاع غزة ظل، على مدار ما يقرب من ستة عقود، يمثل معضلة استراتيجية لإسرائيل. فكل سياسة تبنتها، سواء كانت الاحتلال المباشر، أو الانسحاب، أو الحصار، أو الحروب الدورية، أفرزت تحديات جديدة، وانتهت إلى واقع مختلف عن الأهداف التي سعت إلى تحقيقها. وهو ما يفسر أن الحرب الأخيرة لم تكن مجرد جولة عسكرية جديدة، بل محاولة لإعادة صياغة الواقع السياسي والأمني والجغرافي للقطاع بصورة تختلف عن جميع المراحل السابقة، وهي النقطة التي تمثل مدخلًا لفهم التطورات الميدانية الراهنة، ومشروعات “اليوم التالي” التي يجري الدفع بها حاليًا.

ثانيًا: الواقع الميداني في قطاع غزة بعد الحرب… كيف تغيرت خريطة القطاع؟

أحدثت الحرب الأخيرة تحولًا غير مسبوق في الواقع الميداني لقطاع غزة، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية، وإنما أيضًا نتيجة التغيرات التي طرأت على خريطة السيطرة العسكرية، وانتشار القوات الإسرائيلية، وإعادة تشكيل المجال الجغرافي للقطاع. فالمواجهة لم تعد تقتصر على عمليات عسكرية تستهدف فصائل المقاومة، بل امتدت لتشمل إعادة رسم الواقع الميداني بما يخدم ترتيبات أمنية وسياسية بعيدة المدى.

وعلى مدار أشهر الحرب، توسعت العمليات البرية الإسرائيلية تدريجيًا لتشمل معظم مناطق القطاع، حيث تعاقبت العمليات العسكرية في شمال غزة، ومدينة غزة، والمنطقة الوسطى، ثم خانيونس، وصولًا إلى رفح، التي وُصفت بأنها آخر المناطق التي لجأ إليها مئات الآلاف من النازحين. وقد أدى ذلك إلى تدمير واسع للبنية التحتية، وانهيار أجزاء كبيرة من المرافق المدنية، وتضرر أحياء سكنية كاملة بدرجات متفاوتة.

وفي الوقت نفسه، دفعت إسرائيل باتجاه إنشاء واقع أمني جديد داخل القطاع، من خلال فرض مناطق عازلة على امتداد الحدود الشرقية والشمالية، بما يقلص المساحة المتاحة للسكان الفلسطينيين ويمنح القوات الإسرائيلية عمقًا أمنيًا إضافيًا. كما اكتسبت المحاور العسكرية الرئيسية أهمية استراتيجية متزايدة، وفي مقدمتها محور نتساريم الذي يفصل شمال القطاع عن وسطه وجنوبه، ومحور صلاح الدين (فيلادلفي) الذي باتت تسيطر عليه اسرائيل بشكل تام، وهو الممتد على الحدود بين قطاع غزة ومصر، والذي تنظر إليه إسرائيل باعتباره عنصرًا رئيسيًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

وأدت هذه التحركات إلى تغيرات كبيرة في حركة السكان داخل القطاع، حيث تعرض مئات الآلاف لعمليات نزوح متكررة نتيجة أوامر الإخلاء واتساع نطاق العمليات العسكرية. ولم يعد الانتقال بين مناطق القطاع يتم بصورة طبيعية كما كان قبل الحرب، بل أصبح مرتبطًا بالواقع العسكري وإجراءات السيطرة التي فرضتها القوات الإسرائيلية في عدد من المحاور والمناطق.

وإلى جانب التغيرات العسكرية، خلّفت الحرب دمارًا واسعًا طال المساكن، وشبكات المياه والكهرباء، والمنشآت الصحية والتعليمية، والطرق، ومختلف عناصر البنية التحتية. وأصبحت عملية إعادة الإعمار أكثر تعقيدًا من أي مرحلة سابقة، ليس فقط بسبب حجم الدمار وكثرة الركام الذي يفترض إزالته، وإنما أيضًا بسبب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أكثر من نصف القطاع، واستمرار الجدل حول شكل الإدارة الأمنية والسياسية للقطاع في مرحلة ما بعد الحرب.

كما كشفت التطورات الميدانية أن السيطرة على الأرض لم تعد هدفًا عسكريًا مؤقتًا، بل أصبحت جزءًا من تصور إسرائيلي أوسع يهدف إلى فرض وقائع جديدة يصعب تغييرها في أي تسوية سياسية مستقبلية. فكل منطقة تخضع لترتيبات أمنية جديدة، وكل محور تتم السيطرة عليه، يمنح إسرائيل أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل غزة.

وفي المقابل، لا تزال فصائل المقاومة تؤكد استمرار وجودها وتسيطر على مناطق مختلفة من القطاع، وهو ما يشير إلى أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة حسم الصراع أو إنهاء القدرة القتالية للمقاومة. وقد أظهرت الأشهر الماضية أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم اتساعها، لم تؤدِ إلى إنهاء المواجهة بصورة نهائية، الأمر الذي جعل الواقع الميداني يتسم بدرجة عالية من التعقيد، حيث تتداخل السيطرة العسكرية مع استمرار التهديدات الأمنية. جدير بالذكر انه بالرغم من الهجمة الإسرائيلية الشرسة على القطاع وحرب الإبادة، فإنها لم تستطع تحرير أيًا من أسراها بالعمل العسكري، وحصلت عليهم بالتفاوض السياسي في مراحل مختلفة من الحرب إلى اتفاق شرم الشيخ.

ومن ثَمَّ، فإن خريطة قطاع غزة اليوم تختلف بصورة جوهرية عن تلك التي كانت قائمة قبل الحرب. فالقطاع لم يعد مجرد منطقة تعرضت لدمار واسع، بل أصبح ساحة يجري فيها إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية والسياسية في آن واحد. وهذا ما يفسر أن الحديث عن إعادة الإعمار لم يعد مرتبطًا بإزالة الأنقاض وإعادة بناء المنازل والبنية التحتية فحسب، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالسؤال الأهم: من سيسيطر على غزة بعد الحرب، وأين سيستقر السكان بالنسبة لمناطقهم القديمة، وما هي الشروط التي ستُفرض على أي عملية إعادة إعمار؟ ومن هنا تنتقل القضية من بعدها الإنساني إلى بعدها الاستراتيجي، لتصبح إعادة الإعمار جزءًا من الصراع على مستقبل القطاع نفسه.

وقد كشفت تقديرات أمنية إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي بات يفرض سيطرة عملياتية على نحو 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة، في تطور يعكس استمرار التوسع الميداني للقوات الإسرائيلية داخل القطاع بعد أشهر طويلة من العمليات العسكرية، وأصبح سكان القطاع، المكتظين فيه أصلًا بكامل مساحته محشورين الآن في مساحة لا تتجاوز ثلثه في ظل ظروف إنسانية شديدة البؤس.

شكل1: خريطة توضح السيطرة الإسرائيلية على معظم أراضي القطاع في الوقت الحالي

شكل2: صورة حديثة من القمر الصناعي

شكل 3 خريطة غزة قبل الحرب

ثالثًا: مشاريع اليوم التالي للحرب… هل أصبح إعمار غزة أداة لإعادة تشكيل القطاع؟

لم يعد الحديث عن إعادة إعمار قطاع غزة يقتصر على إزالة آثار الدمار وإعادة بناء المنازل والمستشفيات والبنية التحتية، بل أصبح جزءًا من صراع سياسي واستراتيجي أوسع يدور حول مستقبل القطاع، والجهة التي ستديره، وطبيعة النظام الأمني والسياسي الذي سيحكمه. فكل مشروع يُطرح لإعادة الإعمار يحمل في جوهره تصورًا مختلفًا لشكل غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما جعل ملف الإعمار يتحول من قضية إنسانية إلى قضية ترتبط بإعادة هندسة الواقع السياسي والأمني.

وخلال الأشهر الماضية، برزت عدة تصورات لمستقبل القطاع، كان أبرزها الطروحات الأمريكية والإسرائيلية التي ربطت بين إعادة الإعمار وإحداث تغييرات جوهرية في البنية السياسية والأمنية داخل غزة. وانطلقت هذه الرؤى من فرضية أن إعادة بناء القطاع يجب أن تتزامن مع إنشاء نظام حكم جديد، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، ومنع عودة حركة حماس إلى إدارة القطاع، إلى جانب وضع ترتيبات أمنية تمنح إسرائيل دورًا مؤثرًا في المرحلة المقبلة.

وفي السياق ذاته، عادت إلى الواجهة أفكار سبق أن طُرحت من أفراد داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي ارتبط بعضها برؤية مستشاره جاريد كوشنر، والقائمة على التعامل مع القضية الفلسطينية من منظور اقتصادي واستثماري، باعتبار أن تحسين الأوضاع الاقتصادية يمكن أن يكون مدخلًا لمعالجة الصراع السياسي. وقد تعرضت هذه الرؤية لانتقادات واسعة لأنها، من وجهة نظر منتقديها، همّشت الجوانب السياسية والقانونية للصراع، وربطت مستقبل غزة بمشروعات تنموية واستثمارية دون معالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالاحتلال والسيادة والحقوق الوطنية.

مخططات كوشنر وأمثالها جاءت في إطار مقترحات تنظر إلى إعادة إعمار غزة باعتبارها فرصة لإطلاق مشروعات اقتصادية واستثمارية كبرى، تشمل تطوير البنية التحتية، وإنشاء مناطق صناعية، وإقامة مشروعات سياحية وعقارية على ساحل القطاع. ويرى مؤيدو هذه الطروحات أنها قد تسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية وخلق فرص عمل، بينما يحذر منتقدوها من أن تتحول عملية الإعمار إلى مشروع اقتصادي يحقق أرباحًا لجهات وشركات بعينها، دون أن يعالج جذور الأزمة السياسية، أو يضمن حقوق السكان المتضررين.

وفي الوقت نفسه، برزت تصورات أخرى تدعو إلى إنشاء آليات دولية أو إقليمية لإدارة عملية الإعمار، بحيث تكون الأموال المخصصة لإعادة البناء خاضعة لإشراف مباشر من جهات دولية، مع ربط تنفيذ المشروعات بشروط أمنية وسياسية محددة. ويعكس هذا الاتجاه رغبة عدد من الأطراف في ضمان عدم استخدام موارد الإعمار في إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول مدى استقلالية القرار الفلسطيني في إدارة عملية إعادة البناء.

ومن ثَمَّ، فإن التنافس الدائر حول مشروعات إعادة الإعمار لا يتعلق فقط بمصدر التمويل أو الجهة التي ستنفذ المشروعات، وإنما يعكس اختلافًا جوهريًا في الرؤى بشأن مستقبل قطاع غزة نفسه؛ فهناك من ينظر إلى الإعمار باعتباره وسيلة لإعادة الحياة الطبيعية إلى القطاع مع الحفاظ على الحقوق السياسية للفلسطينيين، بينما تنظر أطراف أخرى إليه باعتباره مدخلًا لإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية بما يخدم ترتيبات جديدة في مرحلة ما بعد الحرب.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن إعادة إعمار غزة أصبحت جزءًا من الصراع، وليست مجرد نتيجة له. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو إزالة آثار الدمار، بل حول تحديد من يمتلك القرار في القطاع، ومن يضع شروط إعادة البناء، ومن يرسم ملامح غزة في السنوات المقبلة. ولهذا، فإن فهم مشروعات الإعمار لا ينفصل عن فهم الأهداف الاستراتيجية التي تسعى الأطراف المختلفة إلى تحقيقها، وهو ما يقود إلى المحور التالي من هذه الورقة، المتعلق بالأهداف الإسرائيلية الحقيقية من الحرب على قطاع غزة.

رابعًا: الأهداف الإسرائيلية من الحرب على غزة… بين الحسم العسكري وإعادة تشكيل الواقع السياسي

تكشف قراءة مسار الحرب، والسياسات الإسرائيلية المصاحبة لها، والتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، أن الأهداف الإسرائيلية تجاوزت منذ وقت مبكر مجرد الرد العسكري أو إضعاف القدرات القتالية لفصائل المقاومة، لتتجه نحو محاولة إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في قطاع غزة بصورة تحقق لإسرائيل مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

وكان الهدف المعلن منذ بداية الحرب هو القضاء على القدرات العسكرية لحركة حماس، وإنهاء قدرتها على إدارة القطاع، واستعادة المحتجزين الإسرائيليين، ومنع تكرار هجوم السابع من أكتوبر. إلا أن تطور العمليات العسكرية، وطبيعة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل على الأرض، تشير إلى أن هناك أهدافًا أوسع ترتبط بمستقبل قطاع غزة نفسه.

ومن منظور هذه القراءة، تسعى إسرائيل إلى إنشاء واقع سياسي جديد داخل القطاع يقوم على وجود إدارة مدنية أو حكومة، أو شخصيات فلسطينية، تلتزم بالترتيبات الأمنية والسياسية التي تفرضها إسرائيل، بما يضمن عدم تحول غزة مرة أخرى إلى مصدر تهديد أمني لها. ويعني ذلك، من وجهة نظر إسرائيل، إقامة نظام حكم لا يعارض متطلباتها الأمنية، ويكون قادرًا على إدارة القطاع في إطار تفاهمات تضمن استمرار الاستقرار وفق الرؤية الإسرائيلية.

ويرتبط بذلك هدف آخر لا يقل أهمية، يتمثل في نزع سلاح فصائل المقاومة بصورة كاملة، وإنهاء ظاهرة المقاومة المسلحة داخل القطاع، بحيث تحتكر إسرائيل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، السيطرة الأمنية على غزة، أو تفرض ترتيبات تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية مستقبلاً.

كما تشير الإجراءات الميدانية إلى أن إسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بدرجة من حرية العمل العسكري داخل القطاع، سواء من خلال السيطرة على محاور استراتيجية، أو إنشاء مناطق عازلة، أو فرض ترتيبات أمنية تتيح لها التدخل العسكري متى رأت أن مصالحها الأمنية تتطلب ذلك، وهو ما يمنحها نفوذًا طويل الأمد في إدارة الملف الأمني داخل غزة.

وفي حال تعذر تحقيق هذه الأهداف بصورة كاملة، فإن القراءة التحليلية تشير إلى احتمال استمرار إسرائيل في استخدام أدوات ضغط متعددة للحفاظ على نفوذها، من بينها تشديد القيود على المعابر، وربط إدخال مواد الإعمار بشروط أمنية وسياسية، وإبطاء أو تعطيل مشروعات إعادة الإعمار، بما يجعل إعادة الحياة الطبيعية في القطاع مرهونة بقبول الترتيبات التي تسعى إلى فرضها.

وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، إذا اقترن باستمرار القيود على الحركة والمعابر وغياب أفق لإعادة الإعمار، قد يدفع أعدادًا من السكان إلى البحث عن الهجرة أو مغادرة القطاع متى سنحت الفرصة، وهو ما يجعل ملف الظروف المعيشية والنزوح والهجرة أحد الملفات التي تحظى باهتمام واسع في النقاشات المتعلقة بمستقبل غزة، خاصة وأن هناك أصواتًا رسمية إسرائيلية تدعو صراحة لتفريغ أغلب القطاع من سكانه كوسيلة ناجعة وحيدة، من وجهة نظرهم، للسيطرة الإسرائيلية الكاملة على القطاع والقضاء على أي تهديد أمني مستقبلي للمستوطنات الإسرائيلية على حدوده، بل وتدعو بعض الحركات المتشددة علنًا لإعادة الاستيطان داخل القطاع باعتبار غزة جزء من “الأراضي التاريخية” الصهيونية، ولضمان الاعتبارات الأمنية في نفس الوقت.

ومن ثم، فإن جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية، وفق هذه القراءة، لا يقتصر على إنهاء الحرب عسكريًا، وإنما يهدف إلى صياغة بيئة سياسية وأمنية جديدة تجعل قطاع غزة خاضعًا لترتيبات تضمن لإسرائيل أمنًا طويل الأمد، وتمنع عودة الواقع الذي سبق الحرب. ولهذا، فإن معركة “اليوم التالي” لا تقل أهمية بالنسبة لإسرائيل عن المعركة العسكرية نفسها، لأن نجاحها، من وجهة نظرها، لا يقاس فقط بما تحقق في ميدان القتال، وإنما أيضًا بقدرتها على فرض ترتيبات سياسية وأمنية مستدامة بعد توقف العمليات العسكرية.

ومن هنا، يصبح مفهوم إعادة الإعمار وثيق الارتباط بالأهداف السياسية والأمنية، إذ تتحول عملية البناء إلى ورقة ضغط تفاوضية، تُستخدم لتوجيه شكل الحكم، وطبيعة الإدارة، ومستقبل السلاح، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري الدفع بها في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.

خامسًا: الترتيبات السياسية بعد وقف إطلاق النار… من إدارة الحرب إلى إدارة غزة

بعد إبرام اتفاق وقف اطلاق النار بشرم الشيخ، والذي بدء بتسليم المقاومة الأسرى إلى الجانب الإسرائيلي ، لم يعد الخلاف بعد وقف إطلاق النار (الذي لم تلتزم به إسرائيل، واقتصر الأمر فقط على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين دون تنفيذ باقي الاستحقاقات) يقتصر على تثبيت الهدنة، بل انتقل إلى قضية أكثر أهمية، وهي من سيدير قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب؟ وأصبح ملف “اليوم التالي” محورًا رئيسيًا للمفاوضات، بعدما ارتبطت إعادة الإعمار بمستقبل الحكم والترتيبات الأمنية داخل القطاع.

وطُرحت عدة تصورات لإدارة غزة، من بينها تمكين السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها، أو تشكيل إدارة فلسطينية من شخصيات مستقلة، أو إنشاء لجنة إسناد مجتمعي، إلى جانب مقترحات لإسناد أدوار أمنية أو إدارية لأطراف عربية أو دولية خلال المرحلة الانتقالية كالقوات التي بدت تصل إلى غزة والتابعة إلى مجلس السلام الذي يرأسه ترامب.

في المقابل، تتمسك إسرائيل، بدعم أمريكي، بأن تضمن أي ترتيبات مستقبلية عدم عودة حركة حماس لإدارة القطاع، وربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية جديدة، تشمل الرقابة على المعابر، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لفصائل المقاومة، مع الاحتفاظ بحرية التدخل العسكري متى رأت ذلك ضروريًا. ولذلك إلى الان تعرقل اسرائيل أي انتقال لتنفيذ المراحل التالية من اتفاق شرم الشيخ بسبب سيطرة حركة حماس على الأجزاء التي ما زالت لم تسيطر عليها إسرائيل.

إلى جانب الجوانب العسكرية والأمنية، تدور في الكواليس مفاوضات معقدة عبر الوسطاء تتناول تفاصيل المرحلة التالية في قطاع غزة، ولا تقتصر على مسألة وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، بل تمتد إلى شكل الإدارة المدنية للقطاع بعد الحرب. ومن بين الملفات المطروحة تشكيل لجنة تكنوقراط تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدمية بعيدًا عن الانتماءات الفصائلية، مع طرح اسم منسق الأمم المتحدة السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، للإشراف أو المساهمة في ترتيبات المرحلة الانتقالية، وإن لم يحظَ ذلك حتى الآن بتوافق نهائي.

كما يجري نقاش حول إمكانية نشر قوة دولية أو متعددة الجنسيات للمساهمة في تأمين بعض المناطق أو الإشراف على المعابر والمنشآت الحيوية، وهو مقترح لا يزال محل خلاف بين الأطراف المختلفة بشأن طبيعة هذه القوة وصلاحياتها والجهة التي ستقودها.

وتبرز كذلك خلافات تتعلق بآليات إعادة الإعمار، وإدارة المساعدات، ومستقبل الأجهزة الأمنية، والعلاقة بين السلطة الفلسطينية والفصائل داخل القطاع، وهي ملفات مترابطة تجعل المفاوضات الحالية أكثر تعقيدًا من مجرد التوصل إلى هدنة، إذ ترتبط بمحاولة رسم ملامح اليوم التالي للحرب، وهو ما يفسر بطء التقدم وصعوبة الوصول إلى تفاهمات نهائية.**

وفي نهاية شهر يونيو، قال المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم، إن وفدًا من الحركة زار مصر لبحث المقاربات الخاصة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في ظل استمرار إسرائيل، بحسب الحركة، في انتهاكه.

وأوضح أن الحركة والفصائل الفلسطينية طرحت خلال الأيام الماضية “مقاربات مقبولة ومنطقية” لتنفيذ الاتفاق، مشيرًا إلى أنها “قوبلت بترحيب من الوسطاء”. وأضاف أن الزيارة تأتي في سياق العمل على وضع تلك المقاربات موضع التنفيذ، مؤكدًا أن “الكرة الآن في ملعب الوسطاء” لإلزام إسرائيل بما تم الاتفاق عليه.

كما عقدت حركة حماس لقاءات في كل من قطر وتركيا مع مسؤولين في البلدين، إلا أن تلك اللقاءات لم تسفر عن أي تقدم ملموس أو اختراق جديد في مسار المفاوضات، وهو ما يعكس استمرار تعقيد الوضع الراهن وتشابك الملفات المطروحة على طاولة التفاوض.

بذلك، تحولت إعادة الإعمار من ملف إنساني إلى ورقة تفاوضية، تُستخدم لتحديد شكل الحكم، وطبيعة المنظومة الأمنية، وآليات إدارة القطاع. ومن ثَمَّ، فإن معركة “اليوم التالي” لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، لأنها ستحدد مستقبل غزة سياسيًا وأمنيًا، وهو ما يفسر استمرار تعقيد ملف إعادة الإعمار حتى بعد وقف إطلاق النار.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن معركة “اليوم التالي” قد بدأت بالفعل، وأنها لا تقل تعقيدًا عن المعركة العسكرية نفسها (والمستمرة إلى الان بسبب عدم الالتزام الإسرائيلي باتفاق شرم الشيخ). فإذا كانت الحرب قد دارت للسيطرة على الأرض، فإن المرحلة الحالية تدور للسيطرة على القرار السياسي والأمني، وتحديد شكل غزة في السنوات المقبلة. ومن هنا، يصبح فهم العقبات التي تواجه إعادة الإعمار أمرًا ضروريًا، لأن هذه العقبات لا ترتبط فقط بالتمويل أو حجم الدمار والتخطيط الهندسي لإعادة الأعمار، بل تتصل أيضًا بطبيعة الصراع السياسي والأمني الذي لا يزال مستمرًا رغم الحديث عن وقف إطلاق النار.

سادسًا: العقبات أمام إعادة إعمار غزة

لا ترتبط إعادة إعمار قطاع غزة بحجم الدمار فقط، بل تواجه مجموعة من العقبات السياسية والأمنية والاقتصادية تجعلها عملية شديدة التعقيد.

وتتمثل العقبة الأولى في استمرار الاحتلال وسيطرة إسرائيل على المعابر وحركة دخول مواد البناء، وربطها الإعمار بشروط أمنية وسياسية، وفي مقدمتها مستقبل إدارة القطاع وسلاح المقاومة. أما العقبة الثانية فتتمثل في غياب توافق فلسطيني كامل حول إدارة مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب استمرار الخلافات بشأن الجهة التي ستتولى إدارة القطاع والإشراف على عملية الإعمار. ويرتبط بذلك تعدد وتباين مواقف الأطراف الإقليمية والدولية بشأن شكل الإدارة المستقبلية للقطاع، وتعارض أهدافها وأجنداتها من حيث التوجهات والوسائل.

وتبرز أيضًا عقبات دولية وإقليمية أخرى، تتمثل في تردد المانحين في ضخ أموال ضخمة لإعادة الإعمار دون ضمانات بعدم تجدد الحرب. كما أن حجم الدمار الهائل يتطلب تمويلًا بمليارات الدولارات وسنوات طويلة لإعادة البناء، وهو ما يجعل نجاح الإعمار مرتبطًا بتوافر بيئة أمنية مستقرة، واستمرار تدفق التمويل، وعدم تعرض المنشآت الجديدة لعمليات عسكرية مستقبلية.

وبناءً على ذلك، فإن العقبة الرئيسية أمام إعادة الإعمار ليست هندسية أو مالية فقط، وإنما سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، لأن مستقبل الإعمار أصبح مرتبطًا بمستقبل الحكم، والسيطرة الأمنية، وشكل التسوية التي ستنتهي إليها الحرب.

سابعًا: سيناريوهات إعادة إعمار غزة

في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إعادة إعمار قطاع غزة:

السيناريو الأول الإعمار المشروط: حيث تُربط عملية إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية إسرائيلية، تشمل شكل إدارة القطاع، والترتيبات الأمنية، وآليات الرقابة على التمويل، ومستقبل سلاح المقاومة. وفي هذا السيناريو، تصبح إعادة الإعمار عملية تدريجية بطيئة تخضع للتطورات السياسية والأمنية والتوجهات الإسرائيلية.

السيناريو الثاني استمرار التعطيل: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا نظرًا للمعطيات الحالية، ويتمثل في استمرار الخلافات السياسية والأمنية، وتعثر التوصل إلى ترتيبات متوافق عليها، بما يؤدي إلى إبطاء أو تعطيل عملية الإعمار، مع استمرار الأزمة الإنسانية وتدهور الأوضاع المعيشية. وفي هذا السيناريو، قد تستمر إسرائيل في استخدام السيطرة على المعابر ومواد البناء كوسيلة ضغط لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية. أهم عائق هو نزع سلاح المقاومة (بمفهوم واسع أيضا وغير متفق على ما يعنيه بين الجميع)، الذي تتمسك به المقاومة، بينما تربط اسرائيل إعادة الأعمار بشروط من جانبها تشمل ترتيبات أمنية، يكون في مقدمتها نزع سلاح المقاومة.

السيناريو الثالث الإعمار التوافقي: ويقوم على التوصل إلى تفاهمات فلسطينية وإقليمية ودولية تتيح إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة، مع إيجاد آلية مقبولة لإدارة القطاع، وتوفير ضمانات أمنية تسمح باستمرار التمويل وتنفيذ المشروعات، وهو السيناريو الأكثر فائدة لسكان غزة، لكنه يظل مرهونًا بتوافقات سياسية معقدة.

ولتجاوز جانب من العقبات، قد يكون من المناسب إنشاء آلية دولية أو إقليمية مستقلة تتولى الإشراف على إعادة الإعمار، مع ضمان وصول التمويل مباشرة إلى مشروعات البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يحقق أكبر استفادة ممكنة للسكان، ويحد من تسييس الملف الإنساني.

وضمن هذا السيناريو أيضًا، قد تحدث إعادة إعمار انتقائي يأخذ ضوءاً أخضر إسرائيليًا، بمعنى أن المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل يتم فيها إعادة إعمار جزئية، ليس بالضرورة أن تكون شاملة، ولكن على الأقل بما يوفر لسكان القطاع في تلك المناطق الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية. وفي المقابل، يُمنع بشكل تام أي نشاط لإعادة الإعمار في المناطق التي تنشط فيها حركة حماس أو المقاومة، بما يشكل نوعًا من العقاب الجماعي لسكان تلك المناطق، ويهدف إلى زيادة الضغوط الشعبية على المقاومة ودفع السكان إلى الرحيل من مناطق تواجدهم، أو إلى خلق مواجهات أهلية بين الفلسطينيين أنفسهم.

إلا أن القانون الدولي الإنساني يحتم أن تكون عمليات إعادة الإعمار مبنية على اعتبارات إنسانية خالصة، غير أن إسرائيل لا تلتزم بهذا الإطار القانوني، وقد وظفت الحرب بصورة وصلت إلى حرب إبادة، كما قد تستخدم ملف إعادة الإعمار أيضًا كأداة للعقاب الجماعي، بما يخدم أهدافها في فرض السيطرة على القطاع.

وفي المجمل، سيظل مستقبل إعادة إعمار غزة مرتبطًا بمآلات الصراع السياسي والأمني أكثر من ارتباطه بتوافر الأموال أو القدرات الهندسية، لأن إعادة الإعمار أصبحت جزءًا من معركة تحديد مستقبل القطاع، وليست مجرد مرحلة تلي انتهاء الحرب.

الخلاصة

تكشف هذه الورقة أن إعادة إعمار غزة لم تعد قضية إنسانية أو تنموية فحسب، بل أصبحت جزءًا من الصراع على مستقبل القطاع. فبينما تسعى أطراف مختلفة إلى توظيف الإعمار لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، يبقى نجاح أي مشروع حقيقي مرهونًا بوجود بيئة مستقرة تضمن أمن السكان، واستمرار التمويل، وحرية تنفيذ مشروعات إعادة البناء. ومن ثَمَّ، فإن مستقبل غزة لن تحدده عمليات إزالة الأنقاض وحدها، أو توفير البنية التحتية اللازمة، وإنما طبيعة التسوية السياسية والأمنية التي ستتشكل، ومدى قدرتها على تحقيق الاستقرار، وتلبية احتياجات السكان، وتهيئة الظروف لإعادة إعمار مستدامة.

وفي ضوء الظروف السائدة، سواءً في الأراضي الفلسطينية أو في المنطقة كلها بشكل عام، فإن الاعتبارات المذكورة في الورقة تقتضي قدرًا كبيرًا من الإبداع، بما يسمح بتجاوز العقبات، وتقديم الحد الأدنى من متطلبات سكان غزة في الحياة الأدمية الكريمة.

المصدر المركز المصرى للدراسات

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى