مصرملفات وتقارير

صراع النفوذ والمال يكشف تفاصيل سقوط إمبراطورية البلطجة في أروقة المحاكم

يستعرض هذا التقرير ملامح التحولات الجذرية في ملفات النفوذ الخارجة عن القانون، حيث تعيد الوقائع الأخيرة التي شهدتها الساحة القضائية فتح ملفات قديمة حول علاقة أجهزة السلطة ببعض الشخصيات التي صنعت إمبراطورياتها تحت مظلة التغاضي الأمني، وهو ما يجسد تكراراً لسيناريوهات صعود وأفول أباطرة الظل الذين يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة مباشرة مع المؤسسات التي منحتهم يوماً غطاءً للعمل.

تتضح الصورة بشكل أكبر عند تحليل مسار الشخصيات التي اعتمدت عليها الأجهزة الأمنية في مهام حساسة لسنوات طويلة، قبل أن تتحول هذه الشخصيات إلى عبء أو تهديد يتطلب تصفية الحسابات وإسدال الستار على نفوذها. ففي السابق، لعبت هذه الأدوار أدواراً وظيفية في مواجهة التيارات المتشددة أو في حسم استحقاقات انتخابية، لكن عندما تتجاوز الطموحات أو تتصادم المصالح المالية مع توجهات السلطة المركزية، تصبح المواجهة حتمية، وهو ما يفسر تقلبات المشهد الذي نتابعه حالياً.

تحجيم شبكات النفوذ وضبط المسارات الاقتصادية

تشير الوقائع المتداولة إلى أن القبض على صبري نخنوخ ومجموعة من معاونيه لم يكن مجرد صدفة مرتبطة بواقعة مشاجرة في أحد معارض السيارات بمنطقة التجمع الخامس، بل هو تتويج لمسار قضائي يستهدف تفكيك شبكة من المصالح المتشابكة. حيث وجهت النيابة العامة اتهامات ثقيلة تتعلق بتأسيس تنظيم عصابي لفرض السيطرة واستخدام شركات الحراسة كستار لنشاطات غير مشروعة، بالإضافة إلى تهم غسل الأموال التي جُمعت عبر أساليب غير قانونية.

تتبعت التحقيقات القضائية خيوط هذه الشبكة التي ضمت شخصيات مثل بيشوى رزق الملقب بأسد المقطم، ورجل الأعمال أحمد الحداد، ويحيى الصعيدي، وآخرين ممن ترتبط أسماؤهم بهذه العائلة. وساهمت هذه الإجراءات في كشف حجم الأصول العقارية والأموال التي كانت تدار في الخفاء، مما يعكس تحولاً جذرياً في تعامل الجهات الرقابية مع كيانات كانت توصف سابقاً بأنها محصنة ضد المساءلة القانونية، وسط ترقب لما ستؤول إليه نتائج التحقيقات الجارية.

عزت حنفي ونخنوخ.. حينما ينقلب السحر على الساحر

يمثل التاريخ القريب دروساً قاسية في كيفية انتهاء عقود التحالف الضمني بين المؤسسات الرسمية والكيانات غير القانونية، حيث تظل واقعة عزت حنفي في تسعينيات القرن الماضي النموذج الأكثر وضوحاً لهذا التحالف. فقد أدت الأجهزة الأمنية دوراً في رعاية نفوذه لاستخدامه كذراع في مواجهة التنظيمات المتشددة في صعيد البلاد، قبل أن يتوسع نشاطه في زراعة المخدرات وتكوين مليشيات مسلحة تحصنت داخل جزيرة النخيلة، مما أدى في النهاية إلى تنفيذ عملية أمنية واسعة في فبراير 2004 شارك فيها أكثر من 3000 جندي، وانتهت بإعدامه عام 2006.

وعلى الجانب الآخر، تدرج صبري نخنوخ في عالم الظل بدءاً من تجارة الخردة في منطقة السبتية بالقاهرة وصولاً إلى تغلغله في مفاصل الحراسة والأمن الخاص عبر شركة “فالكون”. وقد اتسمت علاقته بالأجهزة الأمنية بطابع وظيفي خلال عهد الحزب الوطني، حيث استُخدم في مهام ضبط العمليات الانتخابية وترويع المعارضين، وصولاً إلى الفترة التي سبقت ثورة يناير 2011، قبل أن يسجن عام 2012 ويخرج بعفو رئاسي عام 2018 ليعاود نشاطه بصفة رسمية في إدارة شركات أمنية حساسة.

تأتي التقديرات التحليلية لتشير إلى أن رفض نخنوخ لعروض استحواذ قدمها صندوق مصر السيادي على شركة “فالكون” كان نقطة التحول الرئيسية التي أدت إلى رفع الغطاء عنه. فمع تعاظم الدور الذي لعبته الشركة في تأمين جامعات كبرى كجامعة القاهرة وعين شمس، وتأمين شخصيات دبلوماسية ووفود دولية، أصبحت هذه الإمبراطورية المالية والأمنية تشكل تحدياً لموازين القوى القائمة، مما دفع المؤسسات الرسمية إلى التحرك لإنهاء هذا الملف بالكامل وتصفية التركة التي تراكمت عبر سنوات من التعاون السري، وهو ما يعيد طرح التساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين السلطة وبين من تطلق عليهم تسميات “أمير البلطجية” أو “وزير الداخلية الموازي”.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى