مقالات وآراء

محمد أبو عجور يكتب: المتنازعون… حين تتحول القيادة إلى معول هدم

ليس أخطر على الصف والأمة من قادةٍ يتنازعون على المواقع، ثم يسمّون نزاعهم ثباتًا على الحق، ويجعلون من طموحاتهم الشخصية قضايا شرعية، ومن خصوماتهم معارك مصيرية يدفع ثمنها الجميع.

لقد حسم القرآن النتيجة منذ البداية:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[الأنفال: 46].

فالتنازع ليس مجرد خلاف عابر، بل طريق مباشر إلى الفشل وذهاب القوة والهيبة والتأثير. حين تتنازع القيادات، ينقسم الصف، وتتبدد الطاقات، وتسقط الثقة، وينصرف المخلصون، ويتقدم المتعصبون والمنتفعون.

والقرآن لا يمنع الاختلاف في الرأي، لكنه يمنع أن يتحول الاختلاف إلى تحزّبٍ وإقصاءٍ وتشويهٍ واستقواءٍ بالخصوم. وقد بيّن طريق الحسم فقال:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[النساء: 59].

فمن يرفض الاحتكام إلى الشرع والعدل والشورى واللوائح، ويصر على أن يكون رأيه هو الحق الوحيد، لا يطلب الإصلاح، بل يطلب الغلبة.

المتنازعون لا يكتفون بإفساد علاقتهم ببعضهم، بل يجرّون الصف كله إلى معاركهم، ويحوّلون المؤسسات إلى ساحات تصفية حسابات، ويطردون الكفاءات، ويزرعون الشك والكراهية، حتى يصبح الأخ أشد عداوة لأخيه من خصمه الحقيقي.

وقد حذّر الله من هذا التفرق فقال:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: 103].

وقال:

﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
[الروم: 32].

إن أخطر المتنازعين من يتحدث عن الوحدة وهو يرفض كل مبادرة تجمع الصف، ويتحدث عن الشورى وهو لا يقبل إلا من يوافقه، ويتحدث عن الشرعية وهو يهدم اللوائح، ويتحدث عن المصلحة العامة بينما يحمي موقعه ونفوذه.

وقد تبدأ الأزمة باجتهاد مختلف، لكنها تستمر بسبب حب الرئاسة، والكبر عن الرجوع، والخوف من فقدان المكان، والرغبة في الانتقام. وهنا لا يعود الخلاف فكريًا، بل يصبح مرضًا أخلاقيًا يلبس لباس الدين.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[ص: 26].

إن من يمنع الصلح، أو يحرض الصف، أو يشوه المخالفين، أو يرفض التحكيم العادل، لا يتحمل وزر موقفه وحده؛ بل يتحمل نصيبه من ضياع المشروع، وانصراف الشباب، وتمكين الأعداء، وتفكك الأمة.

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
[الأنفال: 25].

ليست القيادة تشبثًا بالموقع، ولا جمعًا للأنصار، ولا قدرةً على إسكات المخالفين. القيادة الحقيقية أن تتجرد للحق، وأن تراجع نفسك، وأن تتنازل حين تكون وحدة الصف أهم من بقائك.

أما الذين يضحون بالجماعة من أجل مواقعهم، وبالأمة من أجل خصوماتهم، فهم ليسوا حماة المشروع، بل أحد أسباب سقوطه، مهما رفعوا من شعارات، ومهما ادّعوا أنهم وحدهم أصحاب الحق والشرعية.

محمد أبو عجور
18/7/2026
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى