
يُحيي العالم في الثامن عشر من يوليو من كل عام يوم نيلسون مانديلا، وهو مناسبة تتجاوز حدود الاحتفاء الرمزي لتصبح مساحة عالمية لإعادة التفكير في معنى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية؛ ففي هذا اليوم، يستعيد العالم سيرة رجلٍ تحوّل من سجين سياسي إلى رمز عالمي للمصالحة، ومن مناضل ضد الفصل العنصري إلى صوتٍ أخلاقي يذكّر البشرية بأن مقاومة الظلم ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل واجبٌ إنساني لا يسقط بالتقادم.
لقد شكّلت تجربة مانديلا داخل السجن نقطة تحوّل في التاريخ المعاصر؛ فالرجل الذي قضى سبعة وعشرين عامًا خلف القضبان لم يخرج ليطالب بالانتقام، بل خرج ليقود بلاده نحو مصالحة وطنية غير مسبوقة، مؤكّدًا أن الحرية لا تُقاس فقط بخروج الإنسان من السجن، بل بقدرته على تجاوز الألم وتحويله إلى مشروع لبناء دولة عادلة. هذه القدرة على تحويل الجرح إلى رؤية، والقيد إلى قوة، جعلت من مانديلا نموذجًا عالميًا في مقاومة الظلم دون السقوط في الكراهية.
ويمثّل يوم مانديلا فرصة لتسليط الضوء على قضية السجناء السياسيين حول العالم، أولئك الذين يُحتجزون بسبب آرائهم أو نشاطهم الحقوقي أو السياسي؛ فاستمرار احتجازهم يشكّل انتهاكًا مباشرًا لحرية التعبير، ويكشف عن اختلالات عميقة في بنية العدالة داخل الدول، وفي هذا السياق، يطرح يوم مانديلا أسئلة جوهرية حول دور السجون في إسكات الأصوات، وحول مدى احترام حقوق المحتجزين، وحول إمكانية حصولهم على محاكمات عادلة.
وترتبط هذه المناسبة أيضًا باعتماد الأمم المتحدة لـ قواعد نيلسون مانديلا الخاصة بمعاملة السجناء، وهي قواعد تؤكد أن الكرامة الإنسانية لا تُنتزع حتى خلف القضبان. فالسجون، وفق هذه القواعد، ليست أماكن للعقاب فقط، بل فضاءات لإعادة التأهيل، ولضمان حقوق أساسية مثل الرعاية الصحية، والحماية من التعذيب، والحد من العزل الانفرادي، وتوفير بيئة آمنة تحترم الإنسان قبل أي شيء. إن احترام هذه المبادئ يشكّل اختبارًا حقيقيًا لعدالة الدول، ومرآة تعكس مدى التزامها بالقيم الإنسانية التي يدافع عنها المجتمع الدولي.
ويمتد إرث مانديلا ليشمل مفهوم العدالة الانتقالية، وهو الإطار الذي تعتمد عليه الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة القمعية لمعالجة إرث الانتهاكات فالعدالة الانتقالية ليست مجرد آلية قانونية، بل عملية اجتماعية وسياسية تهدف إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وقد أثبتت تجربة جنوب أفريقيا أن العدالة الانتقالية يمكن أن تكون جسرًا يعيد الثقة بين الدولة والمواطنين، ويمنع عودة الظلم بأشكاله القديمة.
أما المصالحة الوطنية، فهي أحد أهم الدروس التي قدّمها مانديلا للعالم؛ فالمصالحة ليست تنازلًا عن الحق، بل هي عملية تُبنى على الاعتراف بالخطأ، وعلى رغبة جماعية في تجاوز الماضي دون نسيانه. وقد قدّم مانديلا نموذجًا عالميًا في كيفية تحويل الانقسام إلى وحدة، وكيف يمكن للعدالة أن تكون طريقًا للسلام لا للانتقام. إن هذا النموذج يظلّ مرجعًا للدول التي تسعى إلى تجاوز إرث النزاعات والانقسامات، وإلى بناء مستقبلٍ يقوم على المساواة والاحترام المتبادل.
وفي ختام هذا اليوم، يعيد العالم التأكيد على أن إرث مانديلا ليس حدثًا تاريخيًا يُستعاد، بل مسؤولية مستمرة تُمارَس كل يوم؛ فالحرية لا تُقاس بخروج الإنسان من السجن فقط، بل بقدرته على العيش في مجتمعٍ يحترم كرامته، ويضمن حقوقه، ويمنحه مساحة للتعبير دون خوف. إن يوم مانديلا يذكّر بأن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية، وأن الكرامة الإنسانية هي الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات القوية والعادلة والدول المستقرة.







