شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: العدالة والحقيقة… لماذا تخاف الأنظمة من الذاكرة مصر الممكنة 2030 (49) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (20)

ليست المشكلة الكبرى في حياة أمة أن تخطئ، فكل الأمم تخطئ. وليست المشكلة أن تقع مظالم أو انحرافات أو تجاوزات، فالتاريخ الإنساني كله سلسلة طويلة من النجاحات والإخفاقات.

المشكلة الحقيقية تبدأ حين تقرر دولة أو سلطة أو نخبة أن تنسى. أو أن تطلب من الناس أن ينسوا. أو أن تتعامل مع الذاكرة باعتبارها خطرًا يجب التخلص منه لا درسًا يجب التعلم منه.

خلال سنوات طويلة من العمل العام، لاحظت أن بعض الأنظمة السياسية تخشى الذاكرة أكثر مما تخشى المعارضة. تخشى الوثيقة أكثر مما تخشى الخطاب. وتخشى الحقيقة أكثر مما تخشى الخصومة. لأن الحقيقة، مهما تأخر ظهورها، تمتلك قدرة هائلة على البقاء. أما السلطة، مهما بدت قوية، فهي في النهاية عابرة.

لهذا السبب كانت معركة الذاكرة دائمًا جزءًا من معركة العدالة. فالقضاء لا يبحث فقط عن إدانة أو براءة، بل يبحث أيضًا عن رواية موثقة لما جرى. والمحكمة ليست فقط مكانًا لإصدار الأحكام، بل مكان لحفظ الحقيقة من الضياع أو التشويه أو النسيان.

تعلمت هذه الحقيقة من تجربتي الشخصية قبل أن أتعلمها من الكتب.

فخلال سنوات الاعتقال والسجن والمحاكمات والبلاغات، لم يكن همي دائمًا أن أكسب كل معركة قانونية، لأنني كنت أعرف أن بعض المعارك أكبر من أن تُحسم قانونًا لصالحي. فكان همي الأول أحيانًا أن تبقى الوقائع حية، وأن تبقى المستندات موجودة، وأن تبقى الشهادات محفوظة، لأن العدالة المؤجلة تحتاج إلى ذاكرة دقيقة أكثر مما تحتاج إلى غضب عابر.

لهذا السبب تقدمت خلال سنوات سجني وما بعدها بآلاف الصفحات من البلاغات والمذكرات والشكاوى. وكان بعض الأصدقاء يسألونني أحيانًا: ما جدوى ذلك إذا كنت لا تتوقع نتيجة فورية؟ وكنت أجيب دائمًا بأن الحقيقة التي تُوثق اليوم قد تصبح غدًا أساسًا للإنصاف، أما الحقيقة التي تضيع فقد لا تجد طريقها إلى العدالة أبدًا.

في كل المجتمعات التي مرت بأزمات كبرى كان السؤال نفسه يطرح بطريقة أو بأخرى: ماذا نفعل بالماضي؟ هل ندفنه؟ هل نتجاوزه؟ هل نعيد فتحه؟ هل نحاكمه؟ هل نتصالح معه؟

التجارب الدولية الكبرى قدمت إجابات مختلفة، لكنها التقت عند نقطة واحدة: لا مصالحة حقيقية بلا حقيقة. ولا عدالة حقيقية بلا ذاكرة.

جنوب أفريقيا لم تستطع أن تنتقل من الفصل العنصري إلى الديمقراطية عبر النسيان. وأمريكا اللاتينية لم تستطع تجاوز سنوات الحكم العسكري بمجرد تغيير الحكومات. وأوروبا الشرقية لم تستطع بناء نظم جديدة بعد سقوط الأنظمة الشمولية دون مواجهة جزء من ماضيها.

ولهذا ظهرت في العالم مفاهيم مثل العدالة الانتقالية، ولجان الحقيقة، وحق المجتمع في المعرفة، وحق الضحايا في الاعتراف بما جرى لهم. فالمقصود لم يكن الانتقام من الماضي، بل تحرير المستقبل من أعبائه.

في مصر، كما في كثير من الدول، مرت علينا عقود طويلة شهدت صراعات سياسية، وموجات اعتقال، ومحاكمات استثنائية، وأزمات حقوقية، وتوترات اجتماعية، وأحداثًا ما زالت محل خلاف حتى اليوم. وقد يختلف الناس في تفسير هذه الوقائع، لكنهم لا يستطيعون بناء مستقبل صحي إذا بقوا أسرى إنكارها أو أسرى رواية واحدة عنها.

العدالة لا تخاف الحقيقة. والقاضي الحقيقي لا يخشى الوثيقة. والدولة الواثقة من نفسها لا ترتبك من الأرشيف. بل على العكس، كلما ازدادت ثقة الدولة بمؤسساتها ازداد استعدادها لفتح الملفات ومراجعة الأخطاء والاعتراف بما يجب الاعتراف به.

أما حين تصبح الذاكرة مصدر خوف، فإن المجتمع يبدأ في فقدان ثقته بنفسه. لأن الناس يدركون بالفطرة أن ما يُمنع من الكلام عنه اليوم سيعود غدًا بصورة أكثر تعقيدًا. وما يُدفن بلا معالجة لا يختفي، بل يبقى تحت السطح ينتظر لحظة أخرى للظهور.

لهذا فإن إصلاح العدالة لا يقتصر على القوانين والمحاكم والنيابات. بل يشمل أيضًا بناء ثقافة عامة تحترم الحقيقة. ثقافة تعتبر أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، وأن مراجعة السياسات ليست هزيمة، وأن تصحيح المسار ليس إدانة للماضي بل حماية للمستقبل.

ومن أخطر ما يواجه المجتمعات أن تتحول الرواية الرسمية إلى الرواية الوحيدة المسموح بها. فالحقيقة الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في رواية واحدة، والعدالة أكثر نضجًا من أن تخشى تعدد الشهادات أو اختلاف وجهات النظر.

لهذا كانت حرية البحث، وحرية الصحافة، وحرية الوصول إلى المعلومات، وحرية التوثيق، جزءًا من منظومة العدالة نفسها. فالمجتمع الذي لا يعرف ماذا جرى له يصعب عليه أن يعرف إلى أين يجب أن يذهب.

العدالة والحقيقة ليستا متنافستين، بل متكاملتين. فالحقيقة بلا عدالة قد تتحول إلى مرارة، والعدالة بلا حقيقة قد تتحول إلى إجراء شكلي. أما حين تجتمعان، فإنهما تمنحان المجتمع فرصة نادرة للتعلم والنضج والمصالحة.

مصر الممكنة التي نتحدث عنها في هذا المشروع لا تحتاج إلى أن تعيش في الماضي، لكنها تحتاج إلى أن تفهمه. ولا تحتاج إلى أن تفتح كل الجراح، لكنها تحتاج إلى أن تعرف كيف تشفيها. ولا تحتاج إلى أن تجعل من التاريخ ساحة صراع دائم، لكنها تحتاج إلى أن تجعل منه مصدر معرفة لا مصدر خوف.

ولهذا فإن أحد شروط بناء دولة القانون هو بناء ذاكرة قانونية ووطنية صادقة. ذاكرة تحفظ الأحكام المهمة، والوقائع الكبرى، والتجارب الناجحة، والأخطاء الجسيمة، حتى لا تضطر الأجيال الجديدة إلى إعادة دفع الأثمان نفسها مرة أخرى.

في النهاية، لا تخاف الأنظمة من الذاكرة لأنها تتذكر فقط، بل لأنها تذكر الناس بأن السلطة مؤقتة، بينما الحقيقة أطول عمرًا. وتذكرهم بأن الوثيقة قد تبقى بعد رحيل أصحاب القرار. وتذكرهم بأن العدالة قد تتأخر، لكنها تحتاج دائمًا إلى من يحفظ لها الطريق.

لهذا أؤمن أن حماية الحقيقة ليست مهمة المؤرخين وحدهم، ولا الصحفيين وحدهم، ولا السياسيين وحدهم. إنها مهمة العدالة أيضًا. لأن العدالة التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على الإنصاف.

ومصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 تحتاج إلى عدالة قوية، لكنها تحتاج أيضًا إلى ذاكرة قوية. فالأمم التي تنسى نفسها تضيع، أما الأمم التي تتذكر بصدق فإنها تملك فرصة حقيقية لبناء مستقبل أفضل من ماضيها.

الحلقة التالية:

مصر الممكنة 2030 (50)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (21)

العدالة والسلطة… حدود القوة وحدود قوة القانون

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى