رئيس بوركينافاسو يمزق الذاكرة: «شماعة العرب» لهروب سياسي ونشاز دبلوماسي صارخ

أثار النقيب إبراهيم تراوري، الرئيس الانتقالي لبوركينا فاسو، موجة واسعة من الانتقادات اللاذعة والردود الغاضبة عقب تصريحاته المثيرة للجدل بشأن تاريخ العبودية، حيث اتهم العرب باستعباد الأفارقة لمدة ألف عام، وهي التصريحات التي وضعت ملف العبودية في القارة السمراء على طاولة النقاش مجدداً وسط تحذيرات من تبعات هذه القراءة التاريخية على النسيج الاجتماعي والعلاقات الإقليمية، خاصة أن إبراهيم تراوري سعى من خلال خطابه إلى إعادة قراءة موازين التاريخ الإفريقي، مما تسبب في إشعال فتيل أزمة فكرية ودبلوماسية تتجاوز حدود بلاده الجغرافية.
ردود فعل موريتانية غاضبة ضد ادعاءات تاريخية
رفضت النخب السياسية والمثقفون وعلماء الدين في موريتانيا بشكل قاطع تلك الإسقاطات التاريخية، مؤكدين أنها تفتقر إلى الدقة العلمية وتعد قراءة انتقائية تهدف لخلط الأوراق، حيث شدد الشيخ سيدي، في مداخلة توضيحية، على أن إبراهيم تراوري لا يمتلك الإلمام الكافي بالتسلسل التاريخي للمنطقة، موضحاً أن المكونات العرقية في بوركينا فاسو، وعلى رأسها مكونة الموسي، عرفت الإسلام كرسالة حضارية وقيمية دخلت البلاد عبر القوافل التجارية وليس من خلال عمليات الفتح أو الاستعباد، محذراً من محاولات التملص من التحديات الداخلية عبر إثارة نعرات عرقية ودينية لا تخدم الاستقرار، خاصة وأن الغالبية العظمى من الشعب البوركينابي تدين بالإسلام وتعتبر هذه التصريحات مساساً مباشراً بمعتقداتها وهويتها الثقافية الراسخة.
أوضح العلامة الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الإمام، الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وإفريقيا، أن تصريحات إبراهيم تراوري تمثل مغالطة تاريخية خطيرة، مشيراً إلى أن نظام الرق كان ظاهرة عالمية سادت الحضارات القديمة قبل ظهور الرسالة الإسلامية التي عملت بدورها على تضييق منابعه وتحفيز المؤمنين على العتق كقربة إلى الله، حيث استند في طرحه إلى المبدأ القرآني القائل إن أكرمكم عند الله أتقاكم، مما دحض المزاعم التي تربط الإسلام بنظام العبودية، مبيناً أن التاريخ الإسلامي برهن على ترقي الشخصيات الإفريقية إلى أعلى المناصب القيادية والسياسية دون أي تمييز عرقي أو لوني، وهو ما يثبت أن بقاء بعض الممارسات الاجتماعية الخاطئة لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره انعكاساً للتشريع الإسلامي الذي جاء لترسيخ قيم العدل والمساواة بين جميع البشر.
تناقضات السياسة الخارجية ومعايير إبراهيم تراوري المزدوجة
كشف مراقبون سياسيون عن وجود فجوة كبيرة بين الخطاب الثوري الذي يتبناه إبراهيم تراوري في محاولاته لتفكيك الإرث التاريخي العربي والإسلامي، وبين ممارساته الدبلوماسية الفعلية على أرض الواقع، حيث لفت المتابعون إلى أن بوركينا فاسو حافظت على استمرار علاقاتها الرسمية مع إسرائيل، وذلك عبر استقبال السفراء غير المقيمين وقبول أوراق اعتمادهم خلال فترة حكم النقيب، مما أثار تساؤلات جوهرية حول اتساق المعايير التي يعتمدها إبراهيم تراوري في التعامل مع الملفات الحساسة، إذ يرى المنتقدون أن اختياره لهذه القضايا التاريخية ليس إلا وسيلة لتحويل الأنظار عن الأزمات الأمنية والسياسية المعقدة التي تعصف ببلاده، معتبرين أن تصريحاته حول استعباد العرب للأفارقة هي محاولة يائسة لصناعة عدو وهمي بدلاً من تقديم حلول واقعية، مما يعمق حالة الاستقطاب في المنطقة.
تستمر التداعيات المحيطة بحديث إبراهيم تراوري في تصدر المشهد الإعلامي، حيث يرى المؤرخون أن اختزال تاريخ الرق في حقبة زمنية أو طرف واحد يعد تبسيطاً مخلاً بقضية معقدة تشابكت فيها عوامل محلية وإقليمية ودولية، بدءاً من أنظمة الرق التقليدية ووصولاً إلى تجارة العبيد عبر المحيطات والأطلسي، مما يجعل من تصريحات إبراهيم تراوري مجرد محاولة لإعادة صياغة التاريخ بما يخدم أجندة سياسية ضيقة، الأمر الذي دفع بالعديد من الباحثين إلى الدعوة لضرورة اعتماد خطاب متزن يستند إلى الحقائق الموثقة بعيداً عن التعميمات التي تثير النعرات، خاصة وأن إبراهيم تراوري يواجه تحديات وجودية تتطلب حكمة في التعامل مع الرموز الحضارية والتاريخية بدلاً من السعي لإثارة الانقسامات.







