نادر فتوح يكتب: مونديال ترامب يعيد الاعتبار إلى قطر

انتهت بطولة كأس العالم 2026، بفوز مستحق للمنتخب الإسباني على الأرجنتين، لكن الحديث عن هذه النسخة لن يتوقف بانتهاء المباراة النهائية أو إسدال الستار على حفل الختام. فهناك بطولات تبقى في الذاكرة لما قدمته من كرة قدم استثنائية، وأخرى تبقى لما أثارته من جدل. ويبدو أن مونديال 2026 سيكون أقرب إلى النوع الثاني.
لا أتحدث هنا عن هوية البطل، ولا عن مستوى المنتخبات، ولا عن النتائج التي تبقى جزءًا طبيعيًا من كرة القدم. أتحدث عن الفلسفة التي حكمت البطولة منذ يومها الأول، وعن شعور تسلل إلى كثير من المتابعين بأن اللعبة لم تعد محور الحدث، بل أصبحت مجرد عنصر داخل مشهد أكبر تسيطر عليه الدعاية والاستعراض والمصالح التجارية.
ولهذا أجد نفسي أصفها بأنها كانت، إلى حد كبير، مونديالًا يليق بدونالد ترامب. وليس المقصود هنا الرئيس الأمريكي كشخص أو مواقفه السياسية، وإنما النموذج الذي أصبح اسمه يرمز إليه؛ نموذج يحتفي بالضخامة أكثر من الجوهر، ويقيس النجاح بحجم الإيرادات وعدد الرعاة وقوة الصورة، حتى لو جاء ذلك على حساب التفاصيل التي تمنح أي حدث عظمته الحقيقية.
كانت كل المؤشرات تقول إن العالم أمام حدث ضخم، لكن كثافة الإعلانات، والحضور الطاغي للرعاة، والاستعراضات التي سبقت المباريات ولحقتها، وحفل الختام الذي بدا أقرب إلى عرض ترفيهي منه إلى احتفال بكرة القدم، منحت البطولة طابعًا تجاريًا غلب على طابعها الرياضي، حتى بدا وكأن اللعبة نفسها تراجعت خطوة إلى الخلف.
ولم يكن هذا هو المأخذ الوحيد. فقد شهدت البطولة مشاهد فوضى واشتباكات في أكثر من مناسبة، كما عانى كثير من الجماهير من تعقيدات التنقل بين المدن، وطول المسافات، وارتفاع تكاليف السفر والإقامة. صحيح أن اتساع رقعة الدول المستضيفة يفرض تحديات مختلفة، لكن نجاح التنظيم لا يُقاس بعدد الملاعب الحديثة أو ضخامة الميزانيات، بل بمدى راحة المشجع، لأنه يظل العنصر الأهم في أي بطولة.
الجمهور لا يسافر آلاف الكيلومترات ليشاهد شعارات الشركات الراعية أو العروض الضوئية، بل ليعيش تجربة إنسانية استثنائية حول كرة القدم. وعندما يشعر أن الإعلان أصبح أكثر حضورًا من اللعبة، فمن الطبيعي أن يفقد الحدث جزءًا من روحه، مهما بلغت إمكاناته.
وربما لهذا السبب تحديدًا، أعادت هذه النسخة الاعتبار إلى مونديال قطر 2022.
أتذكر جيدًا حجم الحملات التي تعرضت لها قطر قبل انطلاق البطولة. كانت هناك انتقادات مشروعة، لكن جانبًا كبيرًا منها تجاوز حدود النقد إلى التشكيك المسبق، حتى بدا وكأن كثيرين حسموا النتيجة قبل أن تنطلق صافرة البداية، معتبرين أن دولة عربية صغيرة لن تكون قادرة على تنظيم أكبر حدث رياضي في العالم.
لكن قطر اختارت أن يكون ردها في الملاعب لا على المنصات، وفي التنظيم لا في البيانات. تركت التجربة تتحدث عنها، وقدمت بطولة قامت على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن تظل كرة القدم هي بطلة المشهد.
تقارب الملاعب، وسهولة التنقل، والانضباط، واحترام وقت المشجع، كلها تفاصيل ربما بدت صغيرة للبعض، لكنها صنعت الفارق الحقيقي. كان بإمكان المشجع أن يعيش البطولة بكل تفاصيلها، لا أن يقضي معظم وقته في المطارات والطرق ووسائل النقل. ولهذا خرج كثيرون بانطباع أن التجربة نفسها كانت جزءًا من متعة كأس العالم.
والمفارقة أن كثيرًا مما وُجه إلى قطر من انتقادات قبل البطولة، تحول بعد سنوات إلى أسباب للإشادة بها. فما اعتُبر يومًا ضيقًا في المساحة، أصبح نموذجًا في سهولة الحركة، وما وُصف بأنه نقطة ضعف، تحول إلى أحد أبرز عناصر نجاح البطولة.
قد تختلف الآراء حول أفضل المنتخبات أو أجمل المباريات، لكن نجاح كأس العالم لا يُقاس بحجم الإنفاق أو العوائد المالية وحدها، بل بما يبقى في ذاكرة الجماهير بعد أن تُطفأ الأضواء. والذاكرة لا تحفظ عدد الرعاة، بقدر ما تحفظ جودة التجربة، وسهولة التنظيم، والإحساس بأن كرة القدم كانت بالفعل هي بطلة الحدث.
وربما يكون أكبر إنجاز حققته نسخة 2026، من حيث لا تقصد، أنها دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في مونديال قطر بعين أكثر إنصافًا. فبعض النجاحات لا تُعرف قيمتها كاملة لحظة وقوعها، وإنما تتكشف عندما تأتي تجربة أخرى تبرز الفارق.
ولهذا، لا أجد ختامًا أكثر استحقاقًا من كلمتين.. شكرًا قطر.







