
أعادت مصر تحريك ملف الأمن المائي مجدداً على المستوى السياسي، بالتزامن مع مؤشرات فنية رصدتها وزارة الموارد المائية والري بشأن تذبذب إيرادات النيل الأزرق خلال موسم الفيضان الحالي، في ظل استمرار تشغيل إثيوبيا سد النهضة أحادياً. وجاء ذلك خلال لقاء وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي، الأحد الماضي، مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، حيث بحث الجانبان عدداً من ملفات الأمن الإقليمي، من بينها الأمن المائي وملفات أخرى. وربط خبراء تحدثوا لـ«العربي الجديد» بين الدور المصري بما له من قوة توازن في الشرق الأوسط، وما اعتبروه محاولات للضغط على القاهرة عبر ورقة المياه.
الأمن المائي والقواعد الدولية
وأكد عبد العاطي خلال اللقاء أهمية الالتزام بقواعد القانون الدولي الحاكمة لاستخدام الموارد المائية العابرة للحدود، بما يحقق مصالح جميع دول حوض النيل، مجدداً رفض مصر للإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، ومشدداً على أن الأمن المائي يمثل قضية وجودية بالنسبة لمصر. ويأتي طرح الملف أمام المسؤول الأميركي، في وقت تكثف فيه القاهرة رسائلها السياسية والفنية بشأن تداعيات استمرار إثيوبيا في إدارة سد النهضة بصورة منفردة، من دون اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليتي الملء والتشغيل أو آلية لتبادل البيانات مع دولتي المصب.
في السياق، أعلنت وزارة الموارد المائية والري المصرية، عقب اجتماع اللجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل برئاسة الوزير هاني سويلم، الأحد الماضي، أن الإيراد المائي للنهر خلال شهر يوليو/تموز الحالي حتى تاريخه جاء أقل من المتوسط. وأكدت أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على طبيعة فيضان العام المائي، إذ تتضح الصورة بصورة أكبر بعد الأيام العشرة الأولى من أغسطس/آب المقبل مع اكتمال وصول الجزء الأكبر من إيراد النيل الأزرق.
يخشى السودان من أن تقوم إثيوبيا فجأة بفتح السد وإطلاق كميات كبيرة من المياه، مما قد يؤدي إلى حدوث فيضانات في السودان.
في السياق، اعتبر محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، في حديث لـ«العربي الجديد»، أنه عند مناقشة مقترحات حل أزمة سد النهضة الإثيوبي، يجب أولاً إدراك أن الحجة القائلة إن الغرض الرئيس من سد النهضة هو توليد الكهرباء، يمكن معالجتها عبر حلول بديلة، إذ يمكن لإثيوبيا توليد الكهرباء وتوزيعها على سكانها، غير أن هناك مشكلات فنية، بما في ذلك قضايا تتعلق بالتوربينات، يمكن حلها من خلال التنسيق والاستعانة بالخبرات المصرية. ولفت إلى أن الجانب الإثيوبي لا يزال يعاني من قصور في هذا المجال، وأن التعاون الفني قد يسهم في تذليل هذه العقبات. وأكد علام أن تبادل المعلومات والبيانات بين مصر والسودان وإثيوبيا من شأنه أن يسهم في تحسين إدارة موسم الفيضان، مشدداً على أن التعاون الحقيقي بين الدول الثلاث وتبادل البيانات المتعلقة بتدفقات المياه وتشغيل السدود أمر بالغ الأهمية للتعامل مع أي تغيرات في وفرة المياه. ولفت علام إلى أن مياه نهر النيل في الجزء الشمالي من السودان قد جفت نتيجة لأسلوب تشغيل «سد النهضة الإثيوبي الكبير»، فضلاً عن غياب التنسيق السوداني الكافي بشأن استخدام مخزون المياه في السدود السودانية بالتزامن مع تشغيل السد الإثيوبي. وأضاف أن السودان يواجه موقفاً صعباً لعدم معرفته ما إذا كان ينبغي عليه إطلاق المياه المخزنة في سدوده أم لا؛ إذ يخشى السودان أنه في حال إطلاقه للمياه، قد تقوم إثيوبيا فجأة بفتح السد وإطلاق كميات كبيرة من المياه، مما قد يؤدي إلى حدوث فيضانات في السودان.
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة في حال انخفاض منسوب الفيضان، أكد علام أن حدوث الجفاف أمر وارد، موضحاً أن الدول التي تتحكم في مياه النيل الأزرق، وفي حال وجود تنسيق في ما بينها، يمكنها الاتفاق على حصول كل منها على حصتها من المياه وفقاً لاحتياجاتها، مع إمكانية تعويض النقص في التدفقات المائية بالاستفادة من السعة التخزينية لخزان السد العالي.
فنياً، أكد أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، نادر نور الدين، في تصريحات لـ«العربي الجديد»، أنه من المتوقع انخفاض إيرادات النيل الأزرق من 50 مليار متر مكعب إلى ما بين 20 و25 مليار متر مكعب، مضيفاً أن إثيوبيا تتمسك باستكمال ملء بحيرة السد وتعويض الفاقد الناتج عن البخر، من دون مراعاة الأوضاع المائية التي يواجهها السودان. وأشار إلى أن السودان لم يستقبل خلال شهر يوليو/تموز الحالي أي كميات من المياه، رغم أن التدفقات المعتادة خلال هذه الفترة تبلغ نحو 12 مليار متر مكعب سنوياً.
كيف تتصرف إثيوبيا؟
وتابع نور الدين أن إثيوبيا تواصل تخزين المياه خلف سد النهضة بدلاً من تمريرها إلى السودان، رغم وجود اتفاقيات مصرية إثيوبية بفتح بوابات السد خلال سنوات الجفاف، مع خفض إنتاج الكهرباء بنسبة 80%، بما يحقق التوازن بين تشغيل السد وتخفيف آثار نقص المياه على دولتي المصب. وأوضح أن جوانب الأنهار وقيعانها بدأت تنكشف بصورة واضحة نتيجة انخفاض منسوب المياه، مهدداً الأمن المائي عبر ظهور مساحات واسعة من الأراضي الطميية والرملية التي كانت مغمورة بالمياه. ولفت إلى أن الأزمة الأكثر خطورة تتمثل في توقف محطات تنقية مياه الشرب في الخرطوم، بسبب عدم وصول كميات المياه اللازمة لتشغيلها، وارتفاع معدلات العكارة بشكل كبير، الأمر الذي حال دون قدرة محطات التنقية على معالجة المياه وفق المعايير المطلوبة.
أما عن الوضع المائي لمصر، فقد أكد نور الدين أن مصر تمتلك مخزوناً استراتيجياً من المياه في بحيرة السد العالي يكفي لتلبية احتياجاتها لمدة لا تقل عن خمس سنوات، مستفيداً من الوفرة المائية التي شهدتها السنوات السبع الماضية، وهو ما يحد من تأثير الأزمة الحالية على الاحتياجات المائية للبلاد. ولفت إلى أن مصر لم تشهد إلا ثلاث حالات جفاف تاريخياً، آخرها بدأت عام 1981 وامتدت حتى 1988، ولولا الفيضان في 1988 لكانت الحكومة المصرية اتخذت إجراءات صارمة محلياً لتقليل استهلاك المياه آنذاك. وشدّد نور الدين على أهمية وجود وساطة دولية تلزم إثيوبيا بفتح بوابات سد النهضة خلال فترات الجفاف، مع مراعاة الأوضاع الإنسانية والاحتياجات المائية، تحديداً الأمن المائي للسودان ومصر، والالتزام بقواعد تشغيل السد بما يتناسب مع ظروف السنوات الشحيحة مائياً.
وتتوافق هذه القراءة مع ما أعلنته السلطات السودانية أخيراً، إذ أكدت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري السودانية أن إيراد النيل الأزرق سجل حتى منتصف يوليو الحالي مستويات مائية جيدة تتجاوز المتوسط العام ومعدلات العام الماضي، إلا أنها رصدت انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة بين السابع والتاسع من يوليو الحالي، ما انعكس على تصريفات خزان الروصيرص وخزان سنار، وأدى إلى تراجع مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات. وأرجعت الوزارة السودانية هذا الانخفاض بصورة مباشرة إلى تراجع تصريفات سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة، مؤكدة أن إنشاء السد غيّر الهيدرولوجيا الطبيعية للنيل الأزرق، وأن الخزانات السودانية باتت تتعامل مع هذه المتغيرات عبر إجراءات تشغيلية مستمرة لضمان استقرار الإمدادات المائية.







