أخبار العالمملفات وتقارير

اغتيال ريغي في ميرجاوه يفتح ملف أزمة المكون السني في إيران

يتجدد الجدل الأمني والسياسي حول استهداف رجال الدين السنة في إيران بعد اغتيال الشيخ محمد أنور ريغي، إمام وخطيب ميرجاوه بمحافظة سيستان وبلوشستان، في عملية تعيد للأذهان تعقيدات المشهد الأمني في تلك المناطق الحدودية المضطربة جنوب شرقي البلاد. ويأتي اغتيال ريغي ليفرض تساؤلات ملحة حول دوافع استهداف الشخصيات الدينية في محافظة تشكل فيها الطائفة السنية غالبية سكانية، وسط تباين واضح في القراءات بين الرواية الرسمية للنظام والتقارير الحقوقية التي تشير إلى وجود ممارسات تضييق ممنهجة ضد هذه الرموز.

خلفيات الاغتيال وتكرار السيناريو الأمني

شهد فجر يوم الاثنين الماضي مصرع الشيخ محمد أنور ريغي جراء تعرضه لإطلاق نار من قبل مسلحين مجهولين، وذلك أثناء تأهبه للتوجه نحو المسجد لأداء صلاة الفجر في ميرجاوه. وسارعت السلطات المعنية في إيران إلى إدانة الواقعة واصفة إياها بالعمل الإرهابي الذي يسعى لزعزعة استقرار المحافظة وتأجيج الانقسام المذهبي بين أبناء المنطقة الواحدة، مؤكدة في الوقت ذاته التزامها بملاحقة الجناة عبر الأجهزة الأمنية والقضائية.

تكشف المعطيات التاريخية أن ريغي قد واجه محاولات اغتيال سابقة في شهر ديسمبر 2024، كما أنه تولى مسؤولية إمامة الجمعة في ميرجاوه خلال عام 2024 بعد الإطاحة بسلفه عبد القهار ميربلوتش زهي واعتقاله. وتكتنف الغموض دوافع هذه العملية، خاصة وأن الشيخ الراحل كان يُعرف بمواقفه المؤيدة للنظام وانتقاده الحاد لتل أبيب، مما يضع المحللين أمام لغز حقيقي حول هوية المستفيد من هذا الحادث الذي يتقاطع مع سياقات أمنية متأزمة.

يستحضر الحادث ذاكرة اغتيال الشيخ عبد الواحد ريغي، إمام مدينة خاش، الذي اختُطف في نوفمبر 2022 وعُثر على جثمانه مصاباً بطلق ناري في الرأس. وقتها وجهت السلطات الإيرانية أصابع الاتهام لتنظيم جيش العدل، وأعلنت وزارة الاستخبارات لاحقاً عن اعتقال 3 متورطين كانوا يخططون للفرار من البلاد. وتبرز هذه الوقائع مدى الهشاشة الأمنية التي تعاني منها سيستان وبلوشستان، حيث تتصادم المصالح الأمنية مع نشاط الجماعات المسلحة وتجارة الممنوعات.

تعقيدات العلاقة بين طهران والقيادات الدينية

يُعد نشاط جماعات مسلحة مثل جيش العدل، الذي تأسس عام 2012 كبديل لتنظيم جند الله، عاملاً حاسماً في تعقيد الملف الأمني بالمحافظة. وبالرغم من تصنيف هذه الجماعات كمنظمات إرهابية، تشير منظمات حقوقية إلى أن ملف اغتيال ريغي لا ينفصل عن حملة واسعة من الاعتقالات والملاحقات التي تطال علماء الدين السنة، خاصة في أعقاب احتجاجات سبتمبر 2022، حيث تتبنى السلطات مقاربة أمنية صارمة تجاه من يعارضون سياساتها أو ينتقدون قمع التظاهرات.

تضم قائمة الشخصيات التي طالتها إجراءات النظام الشيخ عبد الحميد مرادزهي، إمام الجمعة في زاهدان، الذي تعرض لمضايقات بسبب انتقاداته المستمرة لعمليات الإعدام وتدهور الأوضاع الاقتصادية في المنطقة. كما شملت حملات الاعتقال والتعذيب شخصيات أخرى مثل الشيخ إبراهيم حسن زهي، بالإضافة إلى أحكام قاسية طالت رجال دين أكراد، ومنهم ماموستا سيف الله حسيني الذي حُكم عليه بالسجن 17 عاماً. وتؤكد هذه الإجراءات أن اغتيال ريغي يمثل حلقة في سلسلة أزمات هيكلية يعيشها المكون السني داخل البلاد.

يخلص مراقبون إلى أن تفاقم الفجوة بين السلطة والقيادات الدينية السنية نابع من تغليب طهران للمقاربة الأمنية على الحلول السياسية والتنموية. إن التعامل مع سيستان وبلوشستان كمنطقة ذات خصوصية أمنية، نظراً لموقعها الجغرافي وقربها من باكستان وأفغانستان، أدى إلى تقليص مساحة الحرية الدينية والسياسية، مما جعل من اغتيال ريغي مؤشراً خطيراً على استمرار التوتر المزمن وغياب بوادر المصالحة بين الدولة والمكونات المحلية الساعية إلى تمثيل ديني مستقل بعيداً عن القيود الأمنية المفروضة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى