ملفات وتقارير

بعد عام من القطيعة.. لماذا عادت العلاقات بين الجزائر ومالي الآن؟

خاص.. أخبار الغد

بعد أكثر من عام من التوتر الدبلوماسي غير المسبوق، اتخذت الجزائر ومالي خطوة لافتة بإعادة السفراء وفتح المجال الجوي بين البلدين، في تطور أعاد الحديث عن مستقبل العلاقات بين دولتين ترتبطان بحدود تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، وتواجهان تحديات أمنية مشتركة في منطقة الساحل الإفريقي.

ورغم أن القرار بدا وكأنه صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، فإن خلفيات الأزمة وتعقيدات المشهد الأمني في شمال مالي تجعل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة الطرفين على الحفاظ على هذا التقارب.

من الأزمة إلى المصالحة

بدأ التوتر بين الجزائر ومالي يتصاعد تدريجيًا منذ أواخر عام 2023، بعد اعتراض باماكو على الدور الجزائري في ملف شمال مالي، قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها في أبريل 2025، عندما أعلنت الجزائر إسقاط طائرة مسيّرة مالية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي، وهو ما نفته باماكو.

وعلى إثر ذلك، تبادل البلدان سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي، لتدخل العلاقات مرحلة من القطيعة السياسية الحادة.

لكن في يوليو 2026 أعلن البلدان إعادة السفراء إلى مقري عملهما، واستئناف حركة الطيران بينهما، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على رغبة مشتركة في احتواء الخلاف وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي.

لماذا تراجعت حدة الخلاف؟

يرى مراقبون أن التحولات الأمنية المتسارعة داخل مالي كانت أحد أهم أسباب التقارب الجديد.

فالبلاد تشهد منذ أشهر تصاعدًا في هجمات الجماعات المسلحة والانفصالية، خاصة في الشمال، حيث نفذت مجموعات من الطوارق، إلى جانب جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، عمليات واسعة ضد الجيش المالي.

وكشفت هذه العمليات استمرار هشاشة الوضع الأمني، رغم الدعم العسكري الذي تتلقاه السلطات المالية من روسيا.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الجزائر معنية بصورة مباشرة باستقرار جارتها الجنوبية، ليس فقط بسبب الحدود الطويلة المشتركة، وإنما أيضًا خشية انتقال التهديدات الأمنية إلى أراضيها.

اتفاق الجزائر.. نقطة الخلاف الرئيسية

كانت إحدى أبرز محطات الخلاف بين البلدين اتفاق الجزائر للسلام الموقع عام 2015، والذي لعبت الجزائر دور الوسيط الرئيسي فيه بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في شمال البلاد.

لكن المجلس العسكري المالي أعلن لاحقًا إنهاء العمل بالاتفاق، معتبرًا أنه لم يعد صالحًا، كما اتهم الجزائر بالتدخل في الشؤون الداخلية لمالي.

في المقابل، رأت الجزائر أن التخلي عن الاتفاق سيزيد من تعقيد الأزمة الأمنية في الشمال، ويفتح الباب أمام تصعيد جديد بين الحكومة المالية والحركات المسلحة.

ومنذ ذلك الحين، تراجعت الثقة بين البلدين بصورة واضحة، قبل أن تبدأ اتصالات سياسية خلال الأشهر الأخيرة لإعادة فتح قنوات الحوار.

صراع النفوذ في الساحل

لا يمكن فصل التقارب الجزائري المالي عن التحولات التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي.

فروسيا عززت حضورها العسكري في مالي، بينما وسعت تركيا والصين وجودهما الاقتصادي، كما تحاول الولايات المتحدة وفرنسا الحفاظ على نفوذهما في المنطقة رغم تراجعه خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، تسعى الجزائر إلى استعادة دورها التقليدي باعتبارها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في ملفات الساحل، بعد أن تراجع تأثيرها خلال الفترة الماضية.

ويمنح التقارب مع مالي الجزائر فرصة لإعادة تثبيت حضورها السياسي والأمني في منطقة تعتبرها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي.

ما الذي تريده الجزائر؟

تسعى الجزائر إلى تحقيق عدة أهداف من وراء إعادة العلاقات مع مالي.

أول هذه الأهداف هو تأمين حدودها الجنوبية، ومنع تمدد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

كما تريد استعادة دورها في معالجة أزمات الساحل، بعد أن فقدت جزءًا من نفوذها خلال السنوات الأخيرة لصالح قوى إقليمية ودولية أخرى.

وتراهن الجزائر أيضًا على أن استقرار شمال مالي سيقلل الضغوط الأمنية والاقتصادية عليها، خاصة أن أي تصعيد واسع في المنطقة قد يدفع بموجات جديدة من النزوح والتهريب نحو الحدود الجزائرية.

ماذا تريد مالي؟

بالنسبة إلى مالي، فإن استعادة العلاقات مع الجزائر تمثل ضرورة أمنية وجغرافية.

فالجزائر هي أكبر دولة حدودية مع مالي من جهة الشمال، كما تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الحركات المسلحة في المنطقة.

وتحتاج باماكو كذلك إلى تخفيف عزلتها الإقليمية، خاصة بعد توتر علاقاتها مع عدد من القوى الغربية، واعتمادها المتزايد على روسيا في المجال العسكري.

وقد تكون السلطات المالية وصلت إلى قناعة بأن الخلاف مع الجزائر لا يخدم مصالحها، خصوصًا في ظل استمرار المواجهات المسلحة واتساع رقعة عدم الاستقرار.

ملفات لا تزال عالقة

ورغم عودة السفراء وفتح المجال الجوي، فإن كثيرًا من الملفات الخلافية لا تزال قائمة.

وفي مقدمة هذه الملفات مستقبل الحركات المسلحة في شمال مالي، والدور الجزائري في الوساطة، وموقف باماكو من اتفاق الجزائر للسلام.

كما يظل الوجود الروسي في مالي أحد عناصر التوتر غير المباشر، خاصة مع سعي الجزائر إلى الحفاظ على استقلال قرارها الإقليمي وعدم تحول الساحل إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى.

وتبقى كذلك قضية الطوارق من أكثر الملفات حساسية، نظرًا لامتدادهم عبر حدود عدة دول، وبينها الجزائر ومالي والنيجر.

هل تنتهي الأزمة؟

تمثل عودة العلاقات بين الجزائر ومالي خطوة مهمة في اتجاه خفض التوتر، لكنها لا تعني انتهاء أسباب الخلاف.

فالعلاقة بين البلدين ترتبط بملفات شديدة التعقيد، تتداخل فيها قضايا الأمن والحدود والحركات المسلحة والنفوذ الإقليمي.

وقد ينجح الطرفان في بناء تفاهمات جديدة إذا تمكنا من الفصل بين الخلافات السياسية والمصالح الأمنية المشتركة.

أما إذا عادت الاتهامات المتبادلة بشأن دعم الحركات المسلحة أو التدخل في الشؤون الداخلية، فقد تجد العلاقات نفسها أمام أزمة جديدة.

وبين ضرورات الأمن، وحسابات النفوذ، وتعقيدات الجغرافيا، تبدو العلاقات الجزائرية المالية أمام اختبار جديد، قد يحدد ليس فقط مستقبل البلدين، وإنما أيضًا شكل التوازنات في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا اضطرابًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى