مقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب: رحيل هاني شنودة.. انطفاء آخر مصابيح الزمن الجميل

أكتب اليوم ويدي ثقيلة، وقلبي أثقل.

كيف أكتب عن رجل كان هو نفسه موسيقى؟

كيف أرثي من علّمك أن تسمع؟

رحل الموسيقار الكبير هاني شنودة، عن عمر يناهز 83 عاماً، وتحديداً في 20 يوليو 2026.

الخبر الذي أعلنته نقابة المهن الموسيقية أمس، لم يكن مجرد بيان نعي، بل كان إعلاناً عن نهاية فصل كامل من تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة.

الرجل الذي اخترع المستقبل

لم يكن هاني شنودة مجرد ملحن، بل كان مهندساً للدهشة.

وُلد في طنطا بمحافظة الغربية في دلتا مصر، وتخرج من كلية الموسيقى عام 1966، لكنه لم يرضَ أن يكون خريجاً يكرر ما تعلمه.

أسس فرقة «المصريين»، أول فرقة موسيقية حقيقية بمصر بمعناها الغربي الحديث، وكان ذلك تمرداً ناعماً، وثورة بالأورج والجيتار والبيز جيتار في زمن كان يُعتبر فيه ذلك جنوناً.

وعندما أقول إنه صانع النجوم، فأنا لا أبالغ.

هو صاحب الفضل في اكتشاف عديد من المواهب الصوتية المصرية، وكانت له الريادة في ذلك.

لولاه لما عرفنا عمرو دياب كما نعرفه اليوم، ولولا إيمانه المبكر بمحمد منير، لما كان للكينج ذلك الطريق.

لا أنسى أبداً مشهد عمرو دياب وهو يقف على مسرح أبو بكر سالم في الرياض، في ليلة تكريم شنودة، ويقول له بصدق هزّ القاعة: «أشكرك على تاريخي اللي أنا عملته، إلا أنك أنت أول واحد آمن بي وساهم فيه».

جملة تلخص كل شيء: هاني لم يكن يلحن الأغاني، بل كان يلحن المصائر.

ذاكرة السينما في نوتة

بالنسبة لجيلي، هاني شنودة ليس أغاني فقط، هو صوت طفولتنا السينمائي، وموسيقى مسلسلات رأفت الهجان، ومشوار عمر، وغريب في بيتي، والمتوحشة. تلك الموسيقى التصويرية التي كانت تجعلك تفهم المشهد قبل أن ترى الممثلين يتكلمون؛ كان يرى بالصوت.

نعته نقابة المهن الموسيقية بأنه «كان أحد أبرز رواد الموسيقى الحديثة، وصاحب بصمة فنية لا تُنسى في التلحين والتوزيع الموسيقي واكتشاف ورعاية العديد من المواهب»، وهو وصف دقيق، لكنه لا يكفي.

فهو كان رمزاً للعطاء والإبداع، كما وصفه بيان النقابة الآخر.

لماذا سيظل حياً؟

المبدعون الحقيقيون لا يموتون، تتوقف قلوبهم فقط.

سيظل هاني شنودة حياً كلما مر شاب يحمل جيتاراً في شوارع وسط البلد، وكلما قرر موزع شاب أن يمزج الإيقاع النوبي بالجاز، وكلما سمعنا مقدمة «لونجا 79» أو «ما تحسبوش يا بنات»، واندهشنا كيف أن لحناً من قبل 40 عاماً لا يزال يبدو كأنه من الغد.

وداعاً يا أستاذ هاني، يا جميل القلب، يا مبدع النغم، يا من علمتنا أن الموسيقى ليست ترفاً، بل طريقة للنجاة.

تركت فراغاً لن يملؤه أحد، لكنك تركت إرثاً سيملأ الدنيا موسيقى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى