مقالات وآراء

عادل صبري يكتب: متقاعدو مصر… رحلة شاقة للحصول على الكاش. 11.5 مليون صاحب معاش في مصر

غادر المواطن المصري عبد الله هاشم منزله بمدينة القاهرة متجهاً إلى ماكينة الصراف الآلي الأقرب إليه. لم يكن الرجل السبعيني يحمل همّاً بشأن موعد صرف معاشه، بعد الزيادة التي بُشِّر باعتمادها من رئاسة الجمهورية، فقد وصلته قبل دقائق رسالة نصية من البنك تؤكد إيداع مستحقاته بعد الزيادة السنوية الجديدة التي أقرتها الحكومة بنسبة 15% مع بداية العام المالي 2026/ 2027، ليرتفع معاشه من نحو 2900 جنيه إلى ما يقارب 3300 جنيه (الدولار = نحو 51.2 جنيهاً). مع ذلك، لم يشعر هاشم بالاطمئنان، لم يكن يخشى أن تختفي أمواله من حسابه، بل أن تختفي النقود من داخل ماكينة الصراف قبل أن يصل إليها.

وقف في الطابور الذي امتد مبكراً يراقب الخارجين من أمام الماكينة وهم يهزون رؤوسهم في خيبة أمل. عندما جاء دوره، ظهرت العبارة التي بات يحفظها عن ظهر قلب: «عذراً، لا يمكن تنفيذ العملية». صمت هاشم ولم يناقش أحداً. أعاد البطاقة إلى محفظته، واستقل سيارته متجهاً إلى ماكينة أخرى، ثم ثالثة، قبل أن ينجح أخيراً في الحصول بالمنطقة المحيطة بمنزله بمنطقة المقطم على الأوراق النقدية التي جاء من أجلها. ابتسم هاشم، وقال جملة يرددها كلما سأله أحد عن سر استعجاله في سحب معاشه: «أنا لا أجري وراء المعاش، أنا أهرول وراء الكاش».

رغم أن هاشم تجاوز السبعين من عمره، فإنه ليس من أولئك الذين يخشون التكنولوجيا، أو يرفضون التعامل مع البنوك؛ حيث يمتلك مشروعاً سياحياً صغيراً بمدينة الغردقة، ويعمل منذ سنوات في قطاع يعتمد على الحجز الإلكتروني وبطاقات الائتمان والتحويلات البنكية، ويشاهد يومياً سائحين لا يحملون في جيوبهم سوى بطاقة مصرفية واحدة.

يقول هاشم لـ«العربي الجديد»: «السائح يستطيع أن يتحرك أياماً من غير أن يحمل ورقة نقدية واحدة، في بلده وداخل مصر، أما أنا فلا أخرج من البيت إلا والكاش في جيبي»، مضيفاً: «لم يكن الأمر كذلك قبل سنوات». يذكر هاشم: «كنت أترك جزءاً من معاشي في البنك، وأسحب منه عند الحاجة، مقتنعاً بأن مستقبل التعاملات المالية يتجه نحو البطاقات الإلكترونية، والتوسع في الشمول المالي كما ترغب الحكومة، لكن سلسلة من المواقف اليومية بدأت مؤخراً تنسف هذه القناعة شيئاً فشيئاً».

يتوقف قليلاً قبل أن يعود بذاكرته إلى رحلة قادته من الغردقة إلى القاهرة قبل عيد الأضحى الماضي. كان الطريق طويلاً، والسيارة بحاجة إلى الوقود، وعندما مد بطاقته البنكية إلى عامل محطة الوقود، جاءه الرد سريعاً: «الدفع كاش». انتقل هاشم إلى محطة أخرى، فوجد جهاز الدفع الإلكتروني يعمل، لكن العامل أخبره بأن استخدام البطاقة سيضيف «رسوم خدمة» تبلغ نحو 2% من قيمة الفاتورة. لم يكن أمامه خيار، فالعودة إلى الطريق من دون وقود لم تكن ممكنة؛ دفع المبلغ، لكنه خرج من المحطة وهو يشعر بأن شيئاً ما انكسر داخله.

يقول هاشم: «إذا كانت البطاقة ستجعلني أدفع أكثر من النقود، فما الفائدة منها؟». منذ ذلك اليوم، لم يعد يترك أمواله داخل الحساب المصرفي إلا بالقدر الذي لا يستطيع سحبه.

لا تتوقف معاناة هاشم عند محطات الوقود، حيث يتحدث عن أندية خاصة وعيادات ومراكز طبية وشركات يطلب بعضها السداد نقداً، بينما يحمّل بعضها الآخر العميل تكلفة إضافية إذا استخدم بطاقة «ميزة» لصرف الرواتب والمعاشات أو بطاقة الائتمان أو الخصم المباشر.

لم تكن أزمة هاشم فريدة من نوعها؛ فداخل مجمع سكني كبير، وضعت فتاة بطاقة ائتمان لصرف 5000 جنيه من ماكينة صرف آلي، وبعد انتظار لأكثر من 10 دقائق في المعاملة، خرجت الأموال محشورة في الجهاز، وعندما حاولت التقاط الأموال، أغلقت الصرافة منفذها خاطفة منها 1600 جنيه. تصادف وجود سيارة شرطة أمام موقع الماكينة التي تخدم سكان المجمع الشهير على مشارف مدينة 6 أكتوبر غرب العاصمة القاهرة، فاكتفت بنصحها بإبلاغ خدمة العملاء بالبنك الأهلي بالموقف.

بعد محاولات عديدة للتواصل مع الخدمة، طلبوا منها رقم الماكينة، فأخبرتهم به، وكذلك ساعة العملية. اكتفى الموظف المسؤول بإخبار الفتاة بالانتظار ثلاثة أيام، ثم إبلاغ البنك بالحادث، ليبدأ التحقيق في الأمر لمدة تصل إلى 15 يوماً.

عندما كتبت الفتاة الحادثة على منصات التواصل الخاصة بسكان المجمع لتحذيرهم من الماكينة، فوجئت بعشرات الحالات التي سبق أن تعرض لها آخرون بالماكينة نفسها وعشرات غيرها حول المجمع السكني، وبعضها يقع أمام فرع البنك ذاته، وأخرى تابعة لبنوك حكومية وخاصة بمراكز تجارية كبرى.

تلخصت شكاوى العملاء في عدم خروج الأموال من الماكينات؛ بعضهم استردها بعد أكثر من أسبوعين، وآخرون يقولون إن التسوية لم تتم بعد مرور عدة أشهر رغم ملاحقتهم موظفي البنك، وأخرى تتعلق بدفع قيمة تغيير العملة بشكل مغاير لقيمة العملة الفعلية.

في التوقيت نفسه، وعلى بعد أكثر من مئتي كيلومتر، كانت السيدة نرجس عبد الحكيم، البالغة من العمر 76 عاماً، قد بدأت يومها ممسكة بذراع حفيدتها، وتتجه ببطء نحو ماكينة الصراف الآلي في مدينتها. لا تستطيع الوقوف طويلاً، لكن خوفها من العودة إلى المنزل من دون نقود أقوى من آلام قدميها.

تعيش عبد الحكيم على معاش زوجها الموظف الحكومي الراحل، وتقول لـ«العربي الجديد» إن أول ما تفعله بعد سحب المعاش هو تقسيمه إلى مظاريف صغيرة: أحدها مظروف للكهرباء، وآخر للغاز، وثالث للمياه، ورابع للدواء، أما ما يتبقى فيخصص للطعام حتى نهاية الشهر. وتضيف: «لا أستطيع الانتظار دون الأموال النقدية (الكاش)، فمحصل الكهرباء أو الغاز قد يأتي في أي يوم يطلب مستحقات الدولة».

تدرك السيدة المصرية أن تأخير سداد الفواتير لا يعني فقط ترحيلها إلى الشهر التالي، بل قد يرتب عليها غرامات وأعباء مالية إضافية وفق اللوائح المنظمة، وقد يفتح الباب أمام إجراءات لا تريد أن تواجهها في هذا العمر، ومنها قطع التيار أو الغاز والمياه. لهذا لا تترك شيئاً للمصادفة، فتحرص على أن يكون المال في منزلها قبل أن يطرق أي محصل بابها.

لا تستطيع استخدام التطبيقات الإلكترونية، ولا تعرف كيف تسدد فاتورة عبر الهاتف المحمول، ولا تطمئن إلى أن البطاقة ستنقذها إذا تعطلت الشبكة، أو رفض مقدم الخدمة قبولها. تقول وهي تنظر إلى الأوراق النقدية في يدها: «طالما الفلوس قدامي… أبقى مطمنة».

وما إن تبدأ الحكومة صرف المعاشات، حتى تتحول ماكينات الصراف الآلي إلى محطات ازدحام، ويتكرر المشهد ذاته في مختلف المحافظات؛ طوابير طويلة، وماكينات تنفد منها السيولة، ومواطنون ينتقلون من ماكينة إلى أخرى بحثاً عن النقود الورقية، بينما تخرج مليارات الجنيهات من الجهاز المصرفي خلال أيام قليلة لتعود إلى التداول نقداً في الأسواق والمنازل.

في أحدث أعداده بسلسلة «عدسة اقتصادية»، يرى المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي، وإنما أصبحت أحد أكبر التحديات أمام استراتيجية الدولة للتحول إلى مجتمع أقل اعتماداً على النقد. تشير الدراسة إلى أن نحو 11.5 مليون صاحب معاش يحصلون شهرياً على ما يقرب من 38 مليار جنيه، إلا أن الجزء الأكبر من هذه الأموال يغادر المنظومة المصرفية بمجرد إيداعه، بعد أن يسارع أصحاب المعاشات إلى سحبها نقداً، بدلاً من استخدامها في شراء السلع والخدمات عبر بطاقات الدفع الرقمي.

ترى الدراسة أن هذا السلوك يحرم الاقتصاد من جزء مهم من العائد المتوقع من الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة والقطاع المصرفي في تطوير منظومة المدفوعات الإلكترونية.

تبدو المفارقة أكثر وضوحاً عند النظر إلى أرقام الشمول المالي؛ فخلال أقل من عقد، ارتفع معدل الشمول المالي في مصر من 27.4% عام 2016 إلى 77.6% بنهاية عام 2025، وانضم ملايين المواطنين إلى النظام المصرفي، كما ارتفع عدد المحافظ الإلكترونية إلى نحو 60 مليون محفظة، ووصل عدد مستخدمي تطبيق «إنستاباي» إلى أكثر من 16 مليون مستخدم، بينما تجاوز عدد أجهزة نقاط البيع الإلكترونية 1.35 مليون جهاز موزعة في مختلف أنحاء البلاد.

تخلص الدراسة إلى أن مصر نجحت في بناء البنية التحتية، ولم تنجح بعد بالقدر نفسه في تغيير السلوك؛ فالبطاقة بالنسبة إلى ملايين المواطنين ما زالت وسيلة للوصول إلى النقود، لا بديلاً عنها.
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى