مقالات وآراء

عماد الدائمي يكتب: الأمير الذي عرف متى يغادر

يعرف كثيرون كيف يصلون إلى السلطة. قليلون يعرفون متى يغادرونها.

لست أبحث هنا في حصيلة عهد الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني، تقبّله الله بواسع رحمته، ولا في ما حققته قطر خلال سنوات حكمه، فقد كتب في ذلك الكثيرون، وسيظل مشروع النهضة الذي قاده شاهدًا على مكانته في تاريخ بلاده. ما يشغلني لحظة أخرى، أقل صخبًا وأعمق دلالة: حين قرّر، في صائفة 2013 وهو في أوج قوته وكامل حضوره، أن يترك السلطة بإرادته، في فضاء سياسي طالما ارتبطت فيه نهاية الحاكم بالمرض، أو الموت، أو الانقلاب، أو الثورة.

في تلك اللحظة اكتمل معنى التجربة. فما كان يُقرأ بوصفه قصة نجاح قطرية، أصبح درسًا في القيادة يتجاوز حدود قطر.

حين أعلن الشيخ حمد مغادرته الطوعية، كان رصيد الإنجاز يمنحه شرعية الاستمرار، وكانت قطر تمضي في صعود رسّخ مكانتها في الإقليم والعالم. اختار أن يفتح الطريق أمام جيل جديد، وأن يحسم انتقال الحكم في موعد يحدده بإرادته، قبل أن يصبح القرار رهينة الزمن وتقلباته.

هذه القدرة من أندر خصال القادة. فالسلطة، مع مرور السنوات، لا تبقى موقعًا فحسب. قد تتحول إلى جزء من هوية صاحبها، وإلى مرآة يرى فيها نفسه ومكانته ودوره في التاريخ. عندها تصبح المغادرة شديدة الصعوبة، وتتكاثر الحجج التي تؤجلها: المرحلة دقيقة والتحديات خطيرة، البديل يحتاج إلى وقت، الخبرة لا تعوّض، والمشروع ما زال في حاجة إلى مؤسسه. لكل عام إضافي مسوغ جاهز، حتى يفوت الموعد الذي كان يمكن أن يصنع نهاية تليق بالبداية.

الأمير الوالد اختار موعده بنفسه.

ذلك القرار يكشف فهمًا ناضجًا للزعامة. فالقيادة تكتمل حين يهيئ صاحبها الدولة للاستمرار من بعده. والقائد الذي يثق في ما بنى لا يخشى تسليم المسؤولية. يعرف أن المشروع الذي يتوقف بخروجه كان أضيق من الوطن، وأن الدولة القوية هي التي تواصل مسيرتها بأجيال متعاقبة.

هنا تكتسب الثقة في الشباب معناها الحقيقي. يسهل أن تتردد عبارات التجديد في الخطب والوثائق، أما الامتحان الحقيقي فيبدأ عندما تصبح المسؤولية كاملة، بكل ما تحمله من مخاطر وأعباء. عندها فقط تظهر حقيقة الإيمان بالأجيال الجديدة.

الأمير الوالد سلّم قيادة الدولة إلى الجيل الجديد كاملة، وابتعد عن المشهد التنفيذي، تاركًا لهم القرار ومسؤوليته معًا. كان يدرك أن القيادة لا تنضج بالانتظار وإنما بالممارسة، وأن الثقة لا تكتمل إلا حين تقترن بالتفويض الحقيقي. وقد أكدت السنوات اللاحقة سلامة ذلك الرهان، إذ واصل الأمير تميم ترسيخ مكانة قطر وتعزيز حضورها.

ثم أحسن اختيار موقعه بعد المغادرة. بقي حاضرًا في الشأن الوطني، محتفظًا بمكانته في وجدان القطريين، من غير أن يزاحم القيادة الجديدة أو يثقل على القرار اليومي. كانت تلك إعادة تموضع واعية: اختار أن يستمر في رسالته الوطنية، بعيدًا عن المسؤولية التنفيذية اليومية، من موقع أكثر رحابة، بوصفه رمزًا للدولة، وذاكرة لمسيرتها، وسندًا معنويًا لاستمرارها، تاركًا للجيل الجديد كامل المساحة كي يقود ويتحمل مسؤولية اختياراته.

ولعل قيمة إعادة التموضع تتجلى هنا بالذات. فهي تحمي الدولة من ازدواج القيادة، وتترك للقائد مكانة تنبع من تجربته لا من سلطته.

بهذا القرار، تحرّر المنصب من صاحبه، وتحرّر صاحبه من المنصب. تلك لحظة نادرة في حياة الدول. فالسلطة تملك جاذبية خاصة، تتسع مع الإنجاز، ويضاعفها المقربون الذين لا يتصورون المشهد من دون صاحبها، وتنسج حول استمرارها روايات لا تنتهي عن الضرورة واستقرار الدولة. وسط هذا كله، يغدو قرار المغادرة فعلًا استثنائيًا، يصدر عن قائد بلغ من الثقة بنفسه وبوطنه ما يجعله مطمئنًا إلى أن الدولة ستواصل سيرها، وأن أثره سيبقى حاضرًا في ما أنجزه، وفيمن أعدّهم لتحمل المسؤولية.

لهذا، لا تقف قيمة تجربة الشيخ حمد عند حدود التجربة القطرية. فهي تفتح بابًا للتأمل في إحدى أكثر القضايا إلحاحًا في ثقافتنا السياسية: معنى الزعامة، وعلاقة القائد بالسلطة، واللحظة التي يكتمل فيها الإرث السياسي لصاحبه.

هنا تبدو إحدى العقد المزمنة في أوطاننا. فما زالت صورة القائد، في جزء كبير من العالم العربي، ترتبط بطول الإقامة في الواجهة، وباستمرار الحضور في المشهد العام، حتى يكاد المنصب يصبح جزءًا من الهوية. غير أن التاريخ ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى. فهو لا يقيس القادة بعدد السنوات التي أمضوها في الحكم، بقدر ما يتذكر ما تركوه وراءهم من دول أكثر رسوخًا، وأجيال أكثر استعدادًا لمواصلة البناء.

رحم الله الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني. سيذكره التاريخ بما صنعه لقطر وللأمة. وسيذكر له أيضًا أنه عرف متى يغادر، فحفظ للمشروع استمراره، وللدولة تماسكها، ولنفسه مقامًا يعلو على المنصب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى