
في لحظة شديدة التعقيد من تاريخ القضية الفلسطينية، وبينما تتعرض غزة لحرب إبادة متواصلة، نجحت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في حسم استحقاقها القيادي واختيار الدكتور خليل الحية رئيسًا لمكتبها السياسي، خلفًا للشهيد يحيى السنوار.
لا تكمن أهمية الحدث في اختيار اسم جديد فحسب، بل في قدرة حركة مطاردة ومحاصرة، فقدت عددًا من أبرز قادتها، على تجديد قيادتها ومنع الفراغ داخل مؤسساتها. فالاحتلال لا يستهدف المقاتلين والبنية العسكرية وحدهما، وإنما يسعى كذلك إلى ضرب مراكز القرار، وتشتيت القيادة، وتحويل اغتيال الرموز إلى انهيار سياسي وتنظيمي. ومن هنا يصبح إنجاز الانتقال القيادي جزءًا من معركة الصمود نفسها.
لقد أثبتت تجارب الحركات أن التنظيم الذي يُبنى حول الأشخاص يتعرض للاضطراب عند غيابهم، أما التنظيم الذي يقوم على المؤسسات وتوزيع المسؤوليات وإعداد البدائل، فيستطيع امتصاص الصدمات والاستمرار. وقد فقدت حماس خلال مسيرتها قادة كبارًا، لكنها حافظت على قدرتها على إعادة إنتاج القيادة، بما يؤكد أن المشروع لم يكن مرتبطًا بشخص واحد، مهما بلغت مكانته.
ويحمل اختيار الدكتور خليل الحية دلالة خاصة؛ فهو من القيادات التي جمعت بين العمل التنظيمي والسياسي، وشاركت في إدارة ملفات التفاوض والعلاقات الخارجية. والمرحلة المقبلة تحتاج بالفعل إلى قيادة تستطيع الجمع بين الثبات على خيار المقاومة، والمرونة اللازمة لإدارة المفاوضات والضغوط الإقليمية والدولية.
فالمعركة الحالية لا تقتصر على وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، بل تتصل بمستقبل غزة، وإعادة الإعمار، ومحاولات نزع سلاح المقاومة، وإبعاد حماس عن المشهد السياسي، وفرض ترتيبات جديدة تتجاوز إرادة الفلسطينيين. ولذلك فإن وجود قيادة واضحة ومفوضة يمنع محاولات الالتفاف على الحركة أو تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.
كما يوجه حسم القيادة رسالة مباشرة إلى الاحتلال: اغتيال القادة قد يسبب خسائر مؤلمة، لكنه لا يُسقط المؤسسة ولا ينهي الفكرة. فالاحتلال راهن طويلًا على سياسة «قطع الرأس»، معتقدًا أن غياب القائد سيؤدي إلى تفكك الحركة، غير أن سرعة ملء الفراغ القيادي تحول الاغتيال من نصر سياسي محتمل إلى إجراء محدود الأثر.
ويبعث الحدث برسالة أخرى إلى الشعب الفلسطيني، مفادها أن الحركة لا تزال قادرة على إدارة نفسها رغم الحرب والحصار. غير أن هذه القدرة تفرض على القيادة الجديدة مسؤولية مضاعفة؛ إذ لا يكفي الحفاظ على التماسك التنظيمي، بل ينبغي تحويله إلى عامل يدعم الوحدة الوطنية، ويقلل الانقسام، ويوسع دائرة التشاور مع مختلف القوى الفلسطينية.
فالقيادة الناجحة ليست التي تحمي تنظيمها فقط، وإنما التي توظف قوة التنظيم لخدمة القضية العامة. ومن ثم فإن أحد أهم اختبارات المرحلة المقبلة سيكون قدرة حماس على الجمع بين ثوابتها المقاومة وبين بناء موقف وطني فلسطيني أوسع، يحول دون استفراد الاحتلال بكل فصيل على حدة.
ويقدم هذا الانتقال القيادي درسًا مهمًا للحركات الإسلامية والسياسية عمومًا؛ فالظروف الاستثنائية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لتعطيل المؤسسات أو تجميد الشورى أو احتكار القرار. وإذا استطاعت حركة تعمل تحت القصف والملاحقة الأمنية أن تجدد قيادتها، فإن كثيرًا من الحجج التي تستخدمها تنظيمات أخرى لتأجيل الانتخابات والمراجعة تفقد جانبًا كبيرًا من وجاهتها.
ولا يعني ذلك ضرورة كشف التفاصيل التي قد تضر بأمن الأفراد أو العمل المقاوم، فهناك فرق واضح بين السرية الأمنية والغموض المؤسسي. السرية تحمي الأشخاص والمعلومات الحساسة، أما الشفافية المؤسسية فتعني وضوح المسؤولية، وإعلان النتيجة، ومنع تعدد مراكز القرار، وإثبات أن القيادة تستند إلى آلية اختيار معتبرة.
ومع ذلك، فإن حسم موقع رئيس المكتب السياسي لا يعني انتهاء التحديات، بل بداية مرحلة أكثر صعوبة. فالقيادة الجديدة مطالبة بالحفاظ على وحدة الحركة، وإدارة العلاقة بين الداخل والخارج، والتعامل مع الوسطاء، ومواجهة الضغوط المتعلقة بسلاح المقاومة ومستقبل غزة، إلى جانب حماية حقوق الشعب الفلسطيني وعدم التفريط في تضحياته.
إن القيمة الحقيقية لهذا الانتقال لن تُقاس بمجرد نجاح عملية الاختيار، وإنما بقدرة القيادة الجديدة على تحويل التماسك الداخلي إلى قوة سياسية، والصمود الميداني إلى إنجاز وطني، والحضور التنظيمي إلى رافعة لوحدة الشعب الفلسطيني.
لقد حسمت حماس قيادتها تحت النار، وأثبتت أن استهداف القادة لا يعني سقوط المشروع. لكن الامتحان الأكبر يبدأ الآن: كيف تُدار المرحلة المقبلة؟ وكيف تُصان التضحيات؟ وكيف تتحول وحدة الحركة إلى خطوة نحو وحدة فلسطينية أوسع؟
فالمقاومة تحتاج إلى قيادة، والقيادة تحتاج إلى مؤسسة، والمؤسسة لا تكتمل رسالتها إلا حين تكون في خدمة شعبها وقضيته.







