
من الصفحات المجهولة في حياة والدي، رحمه الله، إصابته بنوبات عصبية ألزمته الفراش. وكان وقتها في مرحلة الدراسة الثانوية!
وسيخطر على بالك على الفور أن السبب اضطراب في حياته أدى إلى هذه البلوى. لكن هذا غير صحيح، فقد كانت أوضاعه مستقرة، وهو يقيم في بيت أسرة جده بالعباسية منذ طفولته، بعد الطلاق المبكر بين الوالدين، في رعاية عمته التي تُعتبر بمثابة أمه الثانية، واسمها «نعمات هانم»!!
والمؤكد أن كلامي هذا يدخل في دنيا العجائب. إزاي واحد أوضاعه مستقرة، وعنده مع ذلك حالة اكتئاب تؤدي إلى نوبات عصبية تلزمه الفراش ثلاثة شهور؟!
وحل هذه الفزورة يتمثل في أنه كان حزينًا جدًا جدًا على أوضاع أمه، السيدة «روزاليوسف»، والبهدلة التي تعرضت لها، والإفلاس الذي حاق بها وبالجريدة اليومية التي تصدرها بسبب صراعها السياسي مع حزب الوفد، صاحب الشعبية الجارفة في هذا الوقت. وكانت أول من لفتت الأنظار إلى بداية انحرافه عن الخط الوطني ومهادنة القصر والإنجليز، فشن عليها الحزب الكبير حربًا ضروسًا!!
والنوبات العصبية التي أصابت ابنها تدخل في دنيا العجائب، وتدل على علاقة الحب الاستثنائية التي تربطه بأمه. فقد كان يعيش بعيدًا عنها في منزل أسرة والده، ولا يذهب إلى ست الحبايب إلا كل أسبوع مرة، ومع ذلك تأثر جدًا جدًا بإفلاسها، رغم أنها كانت حريصة على أن تعطيه مصروفه الأسبوعي، وهو عشرة قروش، برغم كل ظروفها الصعبة!!
وشاهد الابن غدر أقرب المقربين بأمه. رئيس التحرير الدكتور «محمود عزمي»، الذي كان يرأس «روزاليوسف» اليومية ويعمل من أجل رواجها بحماس يُحسد عليه، ومع ذلك سارع بالفرار واستقال، متنكرًا لكل العهود والمواثيق التي ربطت بينه وبين صاحبة الجريدة، لتواجه وحدها أمواج الاضطهاد والديون.
والكاتب العملاق «عباس العقاد» فاجأها بالتخلي عنها هو الآخر، رغم أن «فاطمة اليوسف» رفضت أن تطرده من صحيفتها اليومية يوم غضب عليه الوفد، قبل أن يغضب عليها بعد ذلك. لذلك كانت استقالته هو الآخر مفاجأة قاسية.
وصحفي ثالث لم يتردد، من باب النكاية والإساءة إليها، أن يطلب الحجز على ملابسها الداخلية وفاءً لدين عليها قدره ستة جنيهات. وهكذا تلقت الأم طعنات متوالية واجهتها بقوة وشجاعة، لكنها أدمت نفس الابن، وهزت ثقته بالعالم الذي يطل عليه زائرًا مساء كل خميس، حين كان يذهب لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أمه ويأخذ مصروفه الأسبوعي.
واستمرت تلك النوبات ملازمة لابنها ما يقرب من ثلاثة أشهر، حتى انتهت العاصفة وبدأت الأم تتماسك من جديد. وركزت جهدها على المجلة الأسبوعية، بعدما أصبحت الصحيفة اليومية في خبر كان!!
ويقول «سانو»: في فترة مرضي قرأت القرآن الكريم كله أكثر من مرة، بناءً على نصيحة والدي، وأفادني هذا تمامًا في زيادة إيماني بالله، وكذلك في تحسين لغتي العربية، وهو ما أفادني كثيرًا بعد ذلك عندما دخلت ميدان الأدب.







