
طرحتُ أمس سؤالًا على أحد محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كما استخدمت محرك «غوغل»، للبحث عن إجابة بشأن ما إذا كانت القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في دول الخليج قد استُخدمت في الهجمات التي استهدفت طهران خلال صراعها مع الغرب.
وجاءت الإجابات بالنفي، فنشرتُ ما توصلت إليه باعتباره مؤشرًا على عدم استخدام تلك القواعد في الهجوم على إيران، قبل أن يعلق أحد الزملاء، وله كل التقدير والاحترام، بأن محركات البحث ومنصات التكنولوجيا الكبرى تخضع لإدارة وملكية جهات منحازة لإسرائيل، وقد تحجب معلومات تتعلق بما يجري في غزة والضفة الغربية أو تخفي حجم الخسائر في الحروب الجارية.
قد يكون التشكيك في حياد شركات التكنولوجيا ومحركات البحث مفهومًا، خصوصًا في ظل الاتهامات المتكررة بفرض قيود على بعض المحتويات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل يمكن إخفاء عملية عسكرية بهذا الحجم عن البرلمانات ووسائل الإعلام والمؤسسات الرقابية الغربية؟
وإذا كانت هناك تقارير أو أخبار موثقة تؤكد استخدام القواعد العسكرية الموجودة في دول الخليج لضرب طهران، فلماذا لا يتم تقديمها للرأي العام؟ وفي المقابل، لماذا يجري تجاهل التصريحات والبيانات الرسمية التي أعلنت فيها دول خليجية رفض استخدام أراضيها أو أجوائها في أي هجوم على إيران؟
إن التشكيك في الروايات الرسمية حق مشروع، لكنه لا يعفي صاحبه من تقديم دليل مضاد. وحتى الآن، لم يقدم المشككون دليلًا واضحًا يثبت أن دول الخليج سمحت للقوات الأمريكية باستخدام القواعد الموجودة على أراضيها لضرب إيران.
واستدل أحد المتابعين بتصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب شكر فيه دول الخليج على تعاونها، معتبرًا أن هذا التصريح يمثل دليلًا على المشاركة في الهجمات. غير أن عبارات الشكر والتعاون قد تحمل تفسيرات سياسية وأمنية متعددة، ولا تشكل وحدها دليلًا قاطعًا على استخدام القواعد أو الأجواء الخليجية في العمليات العسكرية.
كما لا يمكن تجاهل أن القوى الغربية قد تستفيد من إشعال صراع مباشر بين العرب والإيرانيين، بما يؤدي إلى استنزاف الطرفين وإضعاف المنطقة وفتح المجال أمام مزيد من التدخل في أراضيها وثرواتها. ويبدو أن هذا السيناريو لم يغب عن حسابات قادة وشعوب الخليج، الذين أعلنوا رسميًا رفضهم الانخراط في الهجمات أو السماح باستخدام أراضيهم وأجوائهم لتنفيذها.
وإذا كانت تصريحات بعض المسؤولين الغربيين تُعامل باعتبارها حقائق نهائية، بينما تُرفض التصريحات الخليجية مسبقًا، فإن السؤال هنا يصبح مشروعًا: لماذا يُصدَّق ما يقوله الغرب، ويُشكَّك تلقائيًا فيما تقوله دول الخليج؟
من حق أي شخص أن يشكك في «غوغل» أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو غيرها من مصادر المعلومات، لكن من واجبه، حين يتهم دولًا بالتعاون في عمل عسكري، أن يقدم ما يثبت ذلك بوضوح.
أما إطلاق الاتهامات من دون وثائق أو معلومات موثقة، فلا يصنع حقيقة ولا يهدم رواية قائمة. فالكلام المرسل لا تكلفة له، لكنه يتراجع أمام الوقائع، والتشكيك في كل شيء دون تقديم دليل ليس موقفًا نقديًا، بل أزمة معرفية لا يعالجها سوى البحث الجاد والأدلة القاطعة.





