شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: من يُشعل النار في ثيابه يحرق وطنه

خمس نقاط فوق حروفها

1/ لا أحبّ أن يتدخل أحدٌ في شأننا الداخلي، ولهذا أُحاول، ما استطعت، أن أمنع نفسي من الوقوع في الخطأ ذاته الذي أرفضه من غيري. ومن هذا الباب، لن أخوض في رأيي الشخصي حول بعض الاختيارات الديمقراطية، حتى وإن بدت لي، من بعيد، وكأنها لا تُحسن قراءة طبيعة المرحلة، ولا تضع في حسابها ما تقتضيه من خبرةٍ سياسية، وقدرةٍ على التعامل مع ملفاتٍ شديدة الحساسية، وتوقيتات بالغة الدقة والتعقيد.

لكنّ الامتناع عن التعليق شيء، والصمت أمام ظاهرة مقلقة شيءٌ آخر.

2/ من زاويةٍ أخرى، وفي شأنٍ لا يقلّ خطورة، حاولت أن أمنع نفسي من التعقيب على تلك الحملة المسعورة التي تقودها بعض الأطراف ضد الرئيس التونسي الأسبق، الدكتور المنصف المرزوقي، وكأن جريمته أنه قال رأيًا، بصرف النظر عن الاتفاق معه أو الاختلاف حوله.

هنا لا يصبح الأمر خلافًا سياسيًا مشروعًا في الرأي، بل يتحول إلى نموذجٍ فج من نماذج الإرهاب الفكري، الذي يطارد الرأي المخالف بعبارات التخوين، والتسفيل، والإقصاء، والانحدار إلى أدنى درجات الخطاب، بعيدًا عن قيم السياسة، وروح الديمقراطية، وآداب الاختلاف، وأخلاق المجتمعات التي تحترم نفسها قبل أن تطلب احترام الآخرين لها.

3/ في الاتجاه ذاته، أنظر بعين الأسف والدهشة إلى حالة الهجوم المحموم وغير المفهوم، التي أصابت بعض منابر الإعلام الرسمي في الأيام القليلة الماضية، مستهدفة شخصيات سياسية، من بينها الوزير السابق الدكتور عمرو دراج، رغم أنه ليس سرًا أنه أعلن، منذ سنوات بعيدة، اعتزاله العمل السياسي، وابتعاده عن الساحة العامة، مكتفيًا بعملٍ بحثي وأكاديمي لا يحمل اشتباكًا سياسيًا أو حزبيًا.

فما الذي استدعى فتح هذا الملف الآن؟!

وما المصلحة في استدعاء أسماء ابتعدت، وملفات هدأت، ومساحات كان الأولى تركها لسكينتها، لا جرّها إلى ساحة ضجيج اختارت طوعًا الابتعاد عنه؟

وهل ضاق الفهم السياسي إلى هذا الحد؟!

حتى بات الصمت تهمة، والابتعاد عن الصراع والمشهد سببًا للاستهداف؟

4/ في الوقت نفسه، يجري استهداف شخصيات إعلامية مصرية معارضة، مثل الإعلامي محمد ناصر، بحملات تتسم بقدرٍ أكبر من التسفّل والانحدار، إلى مستوى لا يليق بمنابر رسمية، يُفترض فيها أن تقدم، حتى في لحظات الخلاف، نموذجًا لحد أدنى مهنيًا وأخلاقيًا، لا أن تسقط أسيرة حماقة يبررها البعض باسم رد الفعل.

من صاحب المصلحة في أن ننقل الخلاف السياسي والإعلامي إلى منحدراتٍ كنا نظن أن العقل والحكمة يفرضان تجاوزها، لا العودة إليها؟

من صاحب المصلحة في أن يعود الخطاب العام إلى ما دون نقطة الصفر؟

وسؤالي موجه إلى وزير الإعلام ضياء رشوان، وإلى رئيس المجلس الأعلى للإعلام، وإلى أحمد المسلماني.

هل من الرشد أن تُدار الخلافات السياسية بمنطق الثأر والانتقام، لا بمنطق الدولة؟

وهل من الحكمة أن نُضيّق مساحة الفهم لطبيعة المرحلة، ثم نندهش إذا اتسعت مساحة الغضب وردود الفعل؟

وأي مصلحةٍ وطنية في أن تتحول المنابر الرسمية إلى منصاتٍ للخصومة الشخصية، ثم تتحول الخصومة إلى تحريض، والتحريض إلى وقودٍ يهدد ما تبقى من جسورٍ هشة بين أبناء الوطن الواحد؟

5/ الأخطر من ذلك أن تتزامن هذه الحملات الإعلامية مع تصرفات أمنية غير مفهومة ولا مبررة، تتمثل في زياراتٍ غامضة لبعض أسر إعلاميين وفنيين بقناة الشرق، وهم مقيمون في الخارج منذ أكثر من عقدٍ من الزمان، وكأن الرسالة لا تُوجَّه إلى أصحاب الرأي وحدهم، بل تمتد إلى أسرٍ منقطعة الصلة، لا ذنب لها إلا رابطة القرابة أو الاسم. ناهيك عن استمرار اعتقال بعض أفراد من هذه الأسر!

فما الرسالة؟

ولمن تُوجَّه؟

وما الحكمة من طرق أبواب الأسر بدلًا من فتح أبواب العقل ومد جسور الثقة؟

وهل تُدار الدول العاقلة بالطمأنة أم بالترويع؟

بالحوار أم بالإشارات الخشنة؟

بالعقل أم باستدعاء أدواتٍ أثبتت الأيام أنها لا تُنتج إلا مزيدًا من الاحتقان، ولا تصنع إلا خوفًا مؤقتًا وغضبًا مؤجلًا؟

استعادة كلمات رئيس الجمهورية في افتتاح مبنى وزارة الدفاع، والتي وجّهها للإعلام، ومقارنة ما قاله بما يحدث في الأيام الأخيرة، يؤكد أننا أمام حالة من حالات التأشير عكس خط السير!

فإلى متى؟!

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى