مصر

الضباط الأحرار.. حين أنقلب الجيش وغير وجه الحكم في مصر ليلة 23 يوليو 1952

في منتصف ليل 23 يوليو (تموز) عام 1952، أقدمت مجموعة من الضباط داخل الجيش المصري، عُرفت باسم “حركة الضباط الأحرار”، على تنفيذ خطة سرية أطاحت بنظام الحكم الملكي القائم منذ عقود، لتفتح بذلك فصلاً جديداً في تاريخ مصر الحديث. وتحل هذه الأيام الذكرى الرابعة والسبعون لهذا الحدث الذي غيّر شكل الدولة من ملكية إلى جمهورية، وأنهى حقبة كاملة من الحكم الملكي الذي بدأ مع أسرة محمد علي.

نشأة التنظيم وبداية الحركة

تأسست حركة الضباط الأحرار كتنظيم سري داخل صفوف الجيش، وتولى قيادتها اللواء محمد نجيب، الذي اختير على رأس الحركة نظراً لسنه وسمعته الطيبة داخل المؤسسة العسكرية، رغم أن باقي أعضاء التنظيم كانوا من ذوي الرتب الصغيرة وغير معروفين للرأي العام آنذاك. وقد أكد جمال حماد، أحد أبرز أعضاء التنظيم، أن نجاح الحركة ما كان ليتحقق لولا انضمام نجيب إليها.

وفي الليلة المحددة للتحرك، نجح الأميرالاي (المقدم) يوسف منصور صديق في التحرك قبل الموعد الأصلي بساعة كاملة، والاستيلاء على مبنى هيئة أركان حرب الجيش، والقبض على القيادات المتواجدة فيه. وعلى إثر ذلك، تلا البكباشي أنور السادات عبر الإذاعة المصرية بياناً أعده جمال حماد، أعلن فيه قيام الجيش بحركة أطلق عليها اسم “الحركة المباركة”.

الذكرى الرابعة والسبعون لانطلاق حركة الضباط الأحرار العسكرية في قلب الوطن

يستعرض موقع “أخبار الغد” تفاصيل الانقلاب العسكري الذي قاده تنظيم سري داخل القوات المسلحة في منتصف ليلة 23 يوليو عام 1952م، حيث نجح الأميرالاي يوسف منصور صديق، المتحرك متقدماً ساعة على موعد التحرك الأصلي المحدد من التنظيم سلفاً، في الاستيلاء على مبنى هيئة أركان الجيش والقبض على من فيه من قيادات عسكرية بارزة لتغيير الأوضاع السياسية القائمة وإعلان تحرك الجيش لصالح الوطن.

تناولت الوثائق التاريخية تفاصيل دقيقة حول أعضاء التنظيم السري الذين توزعوا على مختلف الأسلحة العسكرية، حيث ضم سلاح المشاة كلاً من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ويوسف صديق ومحمد نجيب ومصطفى كمال صدقي وعباس رضوان وزكريا محيي الدين، بينما شمل سلاح الطيران عبد المنعم عبد الرؤوف وعبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم وجمال سالم، وتواجد في سلاح المدفعية كمال الدين حسين وصلاح سالم، وفي سلاح الإشارة محمد أنور السادات وأمين شاكر، بينما مثّل سلاح المدرعات حسين الشافعي وخالد محي الدين، وانضم لمجدي حسنين من سلاح الإمداد، إلى جانب الرعيل الثاني المكون من أحمد شوقي وحمدي عبيد وجمال حماد وجيه أباظة ومصطفى كامل مراد وصبري القاضي، مع التأكيد المستمر على الدور الحيوي للواء محمد نجيب في منح الحركة القبول الجماهيري والعسكري نظراً لتقديمه كواجهة قيادية بارزة [cite: وقد أكّد جمال حماد أن الحركة لم تكن لتنجح لولا انضمام اللواء محمد نجيب إليها لما كان له من سمعة طيبة في الجيش، ولما كان منصبه ذو أهمية إذ أن باقي الضباط الأحرار كانوا ذوو رتب صغيرة وغير معروفين.].

شهدت الساحة السياسية في أعقاب التحرك العسكري متسارعاً كبيراً تمثل في استقالة وزارة أحمد نجيب الهلالي وخلفيتها وزارة يرأسها علي ماهر باشا في نفس اليوم، تلاها موافقة الملك فاروق في 24 يوليو على رغبات القيادة العسكرية، وانضمام ضباط الأسطول للحركة في 25 يوليو، وصولاً إلى مطالبة الجيش للملك بالنزول عن العرش في 26 يوليو، مما دفع الملك فاروق للتوجه نحو إيطاليا بعد كتابة وثيقة تنازله عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد الثاني، ليصدر مجلس قيادة الثورة لاحقاً في 18 يونيو 1953 بياناً تاريخياً يقضي بإعلان الجمهورية وإلغاء النظام الملكي تماماً [cite: وفي اليوم نفسه استقالت وزارة أحمد نجيب الهلالي وخلفتها وزارة يرأسها علي ماهر باشا، وفي 24 يوليو وافق الملك فاروق على رغبات الجيش، وفي 25 يوليو انضم ضباط الأسطول إلى الحركة. وفي 26 يوليو طالب الجيش الملك بالنزول عن العرش، ما دفع الملك فاروق للذهاب إلى إيطاليا بعد كتابة وثيقة تنازله عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد الثاني، وبناءً عليه ألّف مجلس الوصاية ثم ألغي، حينما أصدر مجلس قيادة الثورة في 18 يونيو 1953 بيان بإعلان الجمهورية وإلغاء النظام الملكي في مصر.].

تتابع الأحداث السياسية والهيكلية أفرز صدور سلسلة من التشريعات المفصلية التي حددت ملامح المرحلة الجديدة، وشملت إلغاء الرتب المدنية في 2 أغسطس 1952، وتطهير الإدارة الحكومية في 4 أغسطس 1952، وإقرار قانون الإصلاح الزراعي في 9 سبتمبر 1952، وإصدار العفو الشامل عن الجرائم السياسية في 16 أكتوبر 1952، مروراً بإلغاء دستور 1923 في 9 ديسمبر 1952، وانتهاءً بقرار إلغاء الأحزاب السياسية في 18 يناير 1953، تزامناً مع إرساء دعائم سياسية واجماعية بارزة تمثلت في تأكيد الانتماء القومي وإقامة الوحدة مع سوريا في 1958، وإتمام الجلاء التام للقوات البريطانية في 1956، وتأميم قناة السويس في 1956، بجانب تأميم البنوك ووسائل المواصلات وتنظيم قطاع الصحافة بشكل كامل [cite: وفي أعقاب الثورة، صدرت تشريعات هامة توضح الأهداف الرئيسية وأهمها: إلغاء الرتب المدنية 2 آب _ أغسطس 1952 تطهير الإدارة الحكومية 4 آب _ أغسطس 1952 قانون الإصلاح الزراعي 9 أيلول _ سبتمبر 1952 العفو الشامل عن الجرائم السياسية 16 تشرين الأول _ أكتوبر 1952 إعلان إلغاء دستور 1923 9 كانون الأول _ ديسمبر 1952 إلغاء الأحزاب السياسية (18 كانون الثاني _ يناير 1953).].

وشكّلت الحركة لاحقاً هيئة أطلقت عليها اسم “هيئة التحرير”، رفعت شعار “الاتحاد والنظام والعمل”، وهو الشعار الذي تحول إلى أغنية غنّتها الفنانة ليلى مراد في تلك الفترة.

البيان الأول.. نص التبرير للتحرك العسكري

تلا أنور السادات صباح 23 يوليو البيان الأول، الذي وقّعه اللواء أركان حرب محمد نجيب بصفته القائد العام للقوات المسلحة. وجاء في البيان أن مصر مرّت بفترة من “الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم”، محملاً هذه العوامل مسؤولية الهزيمة في حرب فلسطين. وأكد البيان أن الجيش قام بـ”تطهير نفسه”، وأن من تم اعتقالهم من قيادات الجيش السابقة لن يلحق بهم أذى وسيُطلق سراحهم في الوقت المناسب. كما طمأن البيان الجالية الأجنبية على أرواحها وأموالها ومصالحها، محذراً في الوقت ذاته من أي محاولات للتخريب أو العنف.

تنازل الملك ونهاية الحكم الملكي

في اليوم نفسه الذي وقع فيه التحرك، استقالت وزارة أحمد نجيب الهلالي، لتخلفها وزارة برئاسة علي ماهر باشا. وفي 24 يوليو، وافق الملك فاروق على مطالب الجيش، ثم انضم ضباط الأسطول إلى الحركة في 25 يوليو. وفي 26 يوليو، طالب الجيش الملك بالتنازل عن العرش، فغادر فاروق إلى إيطاليا بعد أن وقّع وثيقة تنازل لصالح نجله الأمير أحمد فؤاد الثاني. وتشكّل على إثر ذلك مجلس للوصاية على العرش، قبل أن يُلغى نهائياً حين أصدر مجلس قيادة الحركة في 18 يونيو 1953 بياناً بإعلان الجمهورية وإلغاء النظام الملكي في مصر بشكل كامل.

مجلس قيادة الحركة وإبعاد نجيب

تألف مجلس قيادة الحركة من: محمد نجيب، جمال عبد الناصر، أنور السادات، حسن إبراهيم، حسين الشافعي، جمال سالم، زكريا محيي الدين، صلاح سالم، عبد الحكيم عامر، عبد اللطيف البغدادي، خالد محيي الدين، كمال الدين حسين، يوسف صديق، عبد المنعم أمين، وعبد المنعم عبد الرؤوف.

وفي عام 1953، أبعد المجلس كلاً من خالد محيي الدين ومحمد نجيب، ووُضع الأخير تحت الإقامة الجبرية رغم كونه الرئيس الأول ورمز الحركة الظاهري. واستمر المجلس قائماً حتى انتهاء الفترة الانتقالية وصدور الدستور في يونيو 1956، حين تولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية.

نتائج سياسية وإقليمية بارزة

ترتب على هذا التحول عدد من الإنجازات السياسية والاجتماعية، من أبرزها: التأكيد على عروبة مصر وإقامة الوحدة مع سوريا عام 1958، وتحقيق الجلاء التام للقوات البريطانية عام 1956 بعد احتلال دام منذ عام 1882، وتأميم قناة السويس في العام نفسه، إضافة إلى تأميم البنوك ووسائل المواصلات وتنظيم الصحافة.

جدل حول العدد الحقيقي للضباط الأحرار

اختلفت التقديرات حول العدد الفعلي لأعضاء التنظيم بشكل لافت؛ إذ قاربت القائمة التي وضعها صلاح نصر 350 عضواً، بينما لم تتجاوز قائمة أنور السادات نصف هذا الرقم تقريباً مع بعض الاختلافات في الأسماء. وفي وقت لاحق، خصص الرئيس السادات معاشاً شهرياً لمن وردت أسماؤهم في قائمته، مقسماً إياهم إلى فئتين: فئة تتقاضى معاش وزير إضافة إلى معاشها الأصلي، وفئة أخرى تحصل على مبلغ مالي محدد فوق معاشها الأساسي.

تأثير إقليمي امتد لعقود

لم يقتصر تأثير تحرك الضباط الأحرار على مصر وحدها، إذ ألهم تشكيل حركات مشابهة في المنطقة؛ ففي العراق، أطلق ضباط قوميون على أنفسهم اسم “الضباط الأحرار” وأطاحوا بحكومة نوري السعيد والملك فيصل الثاني عام 1958. وفي سوريا، أسقط تحالف من الضباط القوميين حكومة ناظم القدسي عام 1963. كما استلهم الأمير طلال بن عبد العزيز في السعودية فكرة مشابهة عُرفت بـ”حركة الأمراء الأحرار”، قبل أن يُنفى إلى مصر ويحظى باللجوء لدى عبد الناصر. وفي ليبيا، استند معمر القذافي إلى النهج ذاته في إسقاط الملك إدريس عام 1969.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى