د. أيمن نور يكتب: بين بحر القانون ونهر السياسة تغرق العدالة؟ مصر الممكنة 2030 (52) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (23)

كلما تقدمت بي سنوات العمل العام ازددت اقتناعًا بأن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة من الدول ليس ضعف السياسة ولا ضعف القانون، وإنما الخلط بينهما. فلكل منهما طبيعته ووظيفته ومجاله وحدوده. السياسة عالم الحركة والتفاوض والتوازنات والمصالح والتسويات. أما القانون فعالم القواعد المجردة والضمانات الثابتة والمبادئ التي يفترض أن تبقى قائمة مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت التحالفات أو تبدلت موازين القوة. وحين ينسى المجتمع هذه الحقيقة، يبدأ طريق طويل من الارتباك تدفع العدالة ثمنه أولًا.
منذ سنوات بعيدة استقرت في ذهني صورة لم تفارقني. كنت أرى القانون بحرًا واسعًا وعميقًا ومستقرًا، وأرى السياسة نهرًا متجددًا ومتحركًا ومتقلبًا. البحر يحتاج إلى النهر ليظل متجددًا، والنهر يحتاج إلى البحر ليجد مصبه الطبيعي. لكن الكارثة تبدأ حين يفيض أحدهما على الآخر، أو حين يضيع الحد الفاصل بين مجراهما. عندها لا يبقى النهر نهرًا، ولا البحر بحرًا، بل يتحول المشهد كله إلى فيضان يربك اليابسة ويغرق ما حوله.
السياسة بطبيعتها لا تعرف الثبات الكامل. فهي فن إدارة المصالح والاختلافات والتوازنات المتغيرة. والسياسي الناجح هو الذي يتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون. أما القانون فقد وُجد أصلًا ليكون عنصر الثبات داخل عالم متحرك. وُجد ليمنح المواطن يقينًا بأن حقوقه لا تتغير بتغير الحكومات، وأن حريته لا تصبح مشروعة اليوم وممنوعة غدًا تبعًا لاتجاه الرياح السياسية.
لهذا لم يكن غريبًا أن تعتبر الحضارة الحديثة استقلال القضاء واحدًا من أهم إنجازاتها. فالقاضي لا يفترض فيه أن يكون سياسيًا يرتدي روبًا أسود، كما لا يفترض في السياسي أن يتحول إلى قاضٍ يحمل سلطة إصدار الأحكام. وحين يقترب أحدهما كثيرًا من عالم الآخر تبدأ المشكلات التي لا تنتهي.
تعلمت هذه الحقيقة من الكتب أولًا، ثم من الحياة بعدها. فقد عشت سنوات طويلة بين عالمين متداخلين؛ عالم السياسة وعالم القانون. وقفت في البرلمان نائبًا يناقش التشريعات ويخوض معارك سياسية يومية، ثم وقفت في المحاكم محاميًا ومتقاضيًا ومدافعًا عن حقوق وحريات وقضايا عامة. ورأيت بعيني كيف يمكن أن تتحول الخصومة السياسية إلى خصومة قانونية، وكيف يمكن أن تتحول الإجراءات القانونية أحيانًا إلى امتداد لصراعات سياسية لا مكان لها داخل قاعات العدالة.
أخطر ما في الأمر أن هذا الخلط لا يضر المعارضين وحدهم كما يتصور البعض، ولا يضر السلطة وحدها كما يتصور آخرون. إنه يضر القانون نفسه. لأن القانون يفقد هيبته حين يشعر المواطن أنه يتحرك وفق اعتبارات سياسية لا وفق قواعد عامة مجردة. والسياسة تفقد مشروعيتها حين تعتمد على أدوات قانونية استثنائية لحسم ما كان ينبغي أن تحسمه المنافسة السياسية الطبيعية.
التجارب الإنسانية الكبرى تؤكد هذه الحقيقة. ففي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لم تصبح المحاكم مؤسسات محترمة لأن القضاة كانوا معصومين من الخطأ، بل لأن المجتمع اقتنع بأن المحكمة ليست ساحة للصراع السياسي اليومي. قد تتأثر بالسياسة، وقد تتفاعل مع التحولات الاجتماعية، لكنها تظل في النهاية ملتزمة بقواعد تجعلها مختلفة عن البرلمان والحكومة والأحزاب.
أما حين تتحول المحاكم إلى امتداد للصراع السياسي، فإنها تخسر شيئًا من رأسمالها المعنوي. وقد تكون هذه الخسارة أخطر من أي خسارة مادية أو إدارية. لأن قوة القضاء لا تأتي من السلاح ولا من المال، بل من ثقة الناس في حياده واستقلاله.
مصر عرفت عبر تاريخها الحديث نماذج مشرقة في هذا المجال. فعلى امتداد عقود طويلة كان القضاء المصري قادرًا، بدرجات متفاوتة، على أن يحافظ على هذه المسافة الضرورية بين القانون والسياسة. وكانت هناك أحكام تاريخية شعر معها المواطن أن القاضي ينحاز للنص ولضميره لا لموازين القوى القائمة في الخارج.
لكن العقود الأخيرة حملت تحديات معقدة. فالأزمات السياسية الحادة، والصراعات الإقليمية، والمخاوف الأمنية، والاستقطاب الداخلي، كلها عوامل دفعت أحيانًا نحو توسيع مساحة التداخل بين المجالين. وهنا ظهرت واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه أي نظام عدالة: كيف نحمي القانون من السياسة دون أن نعزل القانون عن المجتمع؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة. فالقانون لا يعيش في فراغ. وهو يتأثر حتمًا بالبيئة السياسية والاجتماعية المحيطة به. لكن الفرق كبير بين التأثر الطبيعي والتوظيف المباشر. القانون يجب أن يفهم السياسة، لكنه لا ينبغي أن يصبح أداة من أدواتها. والقضاء يجب أن يدرك طبيعة المجتمع، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى لاعب في معاركه السياسية.
لهذا السبب كانت الديمقراطيات الراسخة شديدة الحرص على بناء مؤسسات فاصلة بين السلطات. ليس لأن السياسيين سيئون بطبيعتهم، ولا لأن القضاة أفضل من غيرهم بطبيعتهم، بل لأن السلطة بطبيعتها تميل إلى التوسع إذا لم تجد من يراجعها، ولأن القانون بطبيعته يحتاج إلى مساحة من الاستقلال إذا أراد أن يؤدي وظيفته الحقيقية.
حين كنت أتابع بعض التجارب المقارنة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، كان يلفت انتباهي أن الدول التي نجحت في الانتقال الديمقراطي لم تنجح لأنها ألغت السياسة، بل لأنها نجحت في وضع حدود واضحة بين السياسة والقانون. تركت للأحزاب أن تتنافس، وللبرلمانات أن تختلف، وللصحافة أن تنتقد، لكنها أبقت القضاء خارج هذه الدائرة قدر الإمكان.
الدولة القوية ليست الدولة التي تنتصر في كل القضايا، بل الدولة التي تقبل أن تخسر قضية أمام مواطن إذا كان القانون إلى جانبه. والسلطة الواثقة ليست السلطة التي تضمن دائمًا نتائج المعارك القانونية، بل السلطة التي تقبل الاحتكام إلى قواعد قد لا تكون نتيجتها في صالحها في كل مرة.
لهذا فإن أحد أهم أهداف إصلاح مرفق العدالة في مصر يجب أن يكون إعادة ترسيم الحدود بين المجالين. نحتاج إلى سياسة قوية، لكننا نحتاج أيضًا إلى قانون أقوى من السياسة حين يتعلق الأمر بالحقوق والحريات والضمانات الدستورية. ونحتاج إلى معارضة قادرة على العمل في المجال السياسي الطبيعي، لا أن تتحول كل خلافاتها إلى ملفات قانونية. كما نحتاج إلى مؤسسات عدلية تشعر أن وظيفتها حماية القانون لا إدارة التوازنات السياسية.
بين بحر القانون ونهر السياسة مساحة دقيقة وحساسة. وإذا أحسن المجتمع إدارتها أصبحت مصدر قوة واستقرار. أما إذا اختلط البحر بالنهر وضاعت الحدود بينهما، فإن أول من يغرق هو العدالة، وأول من يدفع الثمن هو المواطن، وأول من يخسر على المدى الطويل هي الدولة نفسها.
مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 تحتاج إلى هذا التوازن النادر. تحتاج إلى سياسة حرة وقانون عادل، وإلى معارضة تحتمي بالدستور لا بالخوف، وإلى سلطة تخضع للقانون لا تستخدمه، وإلى قضاء يقف فوق الجميع لا مع أحد ضد أحد.
هناك فقط يبقى البحر بحرًا، ويبقى النهر نهرًا، وتبقى العدالة قادرة على أن تؤدي رسالتها النبيلة دون أن تغرق في صخب السياسة أو تبتلع السياسة باسم القانون.
الحلقة التالية: مصر الممكنة 2030 (53)
العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (24)
العدالة والمعارضة… حق الاختلاف ليس جريمة







