
ليست المشكلة في أن تكون لدى الأمم والمؤسسات مُسلَّمات؛ فكل مجتمع، وكل منظمة، بل كل إنسان، يحتاج إلى قدر من الأفكار المستقرة التي تساعده على الفهم واتخاذ القرار. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأفكار من نقاط انطلاق قابلة للمراجعة إلى أسوار مرتفعة تحظر التفكير، وتمنع السؤال، وتُجرِّم الاختلاف.
فالمُسلَّمة ليست بالضرورة حقيقة نهائية. قد تكون فكرة صحيحة في زمن معين، أو حلاً نجح في ظروف سابقة، أو تفسيراً اعتاد الناس ترديده حتى فقدوا الرغبة في اختباره. ومع مرور الوقت، تكتسب بعض الأفكار حصانة غير مكتوبة، فلا يُسأل عن أصلها، ولا تُراجع نتائجها، ولا يُسمح لأحد بالاقتراب منها، وكأن مجرد التساؤل حولها يمثل اعتداءً على النظام العام.
وهنا يبدأ الجمود
الإنتاج المعرفي الحقيقي لا يبدأ دائماً بإجابة جديدة، بل يبدأ غالباً بسؤال جريء: هل ما نعتقد أنه صحيح ما يزال صحيحاً؟ وهل الطريقة التي اعتدنا العمل بها هي الأفضل فعلاً، أم أنها فقط الأكثر ألفة؟ وهل النتائج الضعيفة التي نحصل عليها تعود إلى ضعف التنفيذ، أم إلى خطأ الفكرة التي يقوم عليها التنفيذ من الأساس؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، وليست تمريناً فلسفياً بعيداً عن الواقع؛ إنها أصل التطور العلمي، ومدخل الإصلاح الإداري، وأساس الابتكار الاقتصادي والاجتماعي. فما من معرفة جديدة وُلدت إلا بعد أن قرر أحدهم النظر إلى أمر مألوف بعين مختلفة، وما من مؤسسة تجاوزت منافسيها إلا عندما امتلكت الشجاعة لمراجعة ما كان الجميع يراه بديهياً.
ليست دعوة لهدم كل شيء
مساءلة المُسلَّمات لا تعني رفض كل ما هو قائم، ولا تعني أن الشك فضيلة في ذاته، أو أن مخالفة السائد دليل على الذكاء. بعض المُسلَّمات حصيلة خبرة طويلة، وبعضها يقوم على حقائق ثابتة أو قيم أخلاقية لا يصح تحويلها إلى مادة للمساومة اليومية.
لكن الفارق كبير بين احترام الفكرة وتقديسها، وبين الاستفادة من التجربة والاستسلام لها.
العقل النقدي لا يهدم لمجرد الهدم، بل يختبر ويقارن ويسأل عن الدليل والنتيجة والبديل. إنه لا يقول: “كل ما سبق خطأ”، وإنما يقول: “لنتأكد من أن ما سبق لا يزال صالحاً لما نواجهه اليوم”.
ولهذا فإن محاكمة المُسلَّمات يجب ألا تكون محاكمة انفعالية، يصدر فيها الحكم قبل جمع الأدلة، بل مراجعة عقلانية تُطرح فيها الأسئلة بإنصاف: كيف نشأت هذه الفكرة؟ وما الظروف التي أنتجتها؟ وما النتائج التي حققتها؟ وهل تغيرت البيئة التي كانت تعمل فيها؟ وما تكلفة استمرارها؟ وهل يوجد بديل أكثر كفاءة وعدالة وملاءمة؟
حين تُطرح الأسئلة بهذه الطريقة، يصبح النقد أداة بناء، لا وسيلة تشكيك أو صراع.
أخطر المُسلَّمات هي التي لا تبدو كذلك
في كثير من المؤسسات، تتخفى المُسلَّمات في عبارات تبدو بسيطة ومألوفة:
“هكذا نعمل منذ سنوات”.
“هذا النظام لا يمكن تغييره”.
“السوق أو المناخ العام لا يقبل غير ذلك”.
“الموظفون أو المواطنون لا يحبون التطوير”.
“الإدارة العليا تعرف كل شيء”.
“لا يمكن النجاح من دون هذه الإجراءات”.
“هذه الفكرة لا تناسب مجتمعنا”.
قد تبدو هذه العبارات توصيفاً للواقع، لكنها في أحيان كثيرة ليست سوى قناعات لم تُختبر. ومع كثرة تكرارها، تتحول إلى قوانين ذهنية تتحكم في القرار، وتحد من الخيال، وتغلق الطريق أمام البدائل قبل أن تُدرس.
والأكثر خطورة أن المؤسسة قد تستمر في معالجة الأعراض بينما ترفض مراجعة المُسلَّمة التي أنتجت المشكلة. فتزيد الاجتماعات، وتكثر اللوائح، وتتغير المسميات، وتُنشأ لجان جديدة، بينما يبقى الافتراض الأساسي دون مساءلة.
وقد يكون هذا الافتراض مثلاً أن المركزية الشديدة تضمن السيطرة، أو أن كثرة التوقيعات تمنع الفساد، أو أن الموظف الجيد هو من لا يعترض، أو أن الولاء أهم من الكفاءة، أو أن الماضي الناجح ضمان للمستقبل.
هكذا تتضخم الإجراءات، بينما تتراجع النتائج.
كيف تموت المؤسسات فكرياً؟
المؤسسات لا تموت فقط بسبب الإفلاس أو خسارة السوق. قد تموت فكرياً وهي ما تزال تعمل، وتصدر التقارير، وتعقد الاجتماعات، وتعلن المبادرات.
تموت حين تصبح الإجابة أهم من السؤال، وحين يُكافأ الامتثال أكثر من الاجتهاد، وحين يُنظر إلى النقد باعتباره تهديداً للسلطة، وإلى الاختلاف باعتباره نقصاً في الولاء.
في مثل هذه البيئات، يتعلم الأفراد سريعاً أن السلامة في الصمت، وأن أفضل طريقة للاستمرار هي قول ما ترغب الإدارة في سماعه. وعندها تتحول الاجتماعات إلى مراسم لتأكيد القرارات، والدراسات إلى وثائق لتبرير التوجهات، والاستشارات إلى غطاء مهني لأفكار محسومة سلفاً.
قد تبدو المؤسسة من الخارج مستقرة، لكنها تكون قد فقدت أهم مصادر حيويتها: القدرة على التعلم والتصحيح.
والاستقرار الذي يمنع المراجعة ليس استقراراً حقيقياً، بل تأجيل منظم للأزمة.
العقلية التي تصنع المعرفة
الخروج من دائرة الجمود يحتاج إلى عقلية لا تخشى الأسئلة، ولا تعتبر الاعتراف بالخطأ هزيمة، ولا تربط مكانة المسؤول بعصمة قراراته.
إنها عقلية تتعامل مع الأفكار بوصفها فرضيات قابلة للاختبار، لا ممتلكات شخصية يجب الدفاع عنها. فالمسؤول والمدير الناضج لا يسأل: “من انتقد فكرتي؟”، بل يسأل: “هل يحمل هذا النقد ما يساعدنا على اتخاذ قرار أفضل؟”.
وتحتاج هذه العقلية إلى قدر من التواضع المعرفي؛ أي إدراك أن الخبرة، مهما طالت، لا تمنح صاحبها معرفة كاملة، وأن النجاح السابق قد يتحول إلى قيد إذا جعلنا نكرر الحلول نفسها أمام مشكلات مختلفة.
كما تحتاج إلى الشجاعة المؤسسية؛ لأن مراجعة المُسلَّمات قد تكشف أخطاء متراكمة، أو مصالح مستقرة، أو هياكل لم تعد مبررة. ولهذا فإن بعض المؤسسات لا تفتقر إلى المعرفة، وإنما تفتقر إلى الإرادة التي تسمح باستخدامها.
أما الشرط الثالث فهو الانضباط. فحرية التفكير لا تعني فوضى الآراء، والنقد لا يقوم على الانطباعات وحدها. لا بد من بيانات موثوقة، وتجارب محدودة، ومقارنات عادلة، وقياس واضح للنتائج. فالفكرة الجديدة لا تصبح صحيحة لمجرد أنها جديدة، كما أن الفكرة القديمة لا تصبح خاطئة لمجرد أنها قديمة.
من ثقافة الإجابة إلى ثقافة السؤال
الأمم والمؤسسات المنتجة للمعرفة لا تتميز فقط بامتلاك العقول المتعلمة، بل بامتلاك بيئة تسمح لهذه العقول بأن تسأل.
وهذا يتطلب تغييراً في الثقافة، يبدأ من التعليم الذي يكافئ الفهم لا الحفظ، ويمتد إلى الإدارة التي تطلب الرأي الصريح لا المديح، وينتهي بنظم الحوكمة التي تفتح قنوات المراجعة والمساءلة ولا تجعل القرار حكراً على صوت واحد.
في المؤسسة الناضجة، يجب أن يكون من المشروع أن يسأل الموظف:
لماذا نقوم بهذا الإجراء؟
ما القيمة التي يضيفها؟
ما الدليل على نجاحه؟
ما الذي قد يحدث لو توقفنا عنه؟
هل هناك طريقة أسرع أو أقل تكلفة أو أكثر عدالة؟
هذه الأسئلة البسيطة قد توفر ملايين الريالات، وتمنع أزمات، وتكشف فرصاً لم تكن مرئية. لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا عندما يشعر أصحابها بالأمان، ويعلمون أن طرح السؤال لن يتحول إلى تهمة.
ومن هنا تأتي أهمية الحوكمة الفكرية داخل المؤسسات؛ أي بناء آليات تضمن تنوع الرأي، واختبار الافتراضات، وإدارة التعارض، وتوثيق أسباب القرار، ومراجعة نتائجه بعد التنفيذ. فالقرار الجيد لا يُقاس فقط بما بدا منطقياً عند اتخاذه، بل بما حققه فعلياً وما تعلمته المؤسسة منه.
القيادة لا تُثبت صحتها بإسكات المختلفين
القيادة الحقيقية لا تخشى من محاكمة أفكارها، لأنها تدرك أن قوتها لا تأتي من غياب الاعتراض، بل من قدرتها على الاستماع والتمييز واتخاذ القرار.
أما القيادة التي تحيط نفسها بمن يوافقونها دائماً، فقد تحصل على الراحة، لكنها تفقد الرؤية. وقد تنجح مؤقتاً في فرض الصمت، لكنها لا تستطيع إلغاء الواقع. فالأسواق لا تجامل، والأزمات لا تحترم المناصب، والنتائج لا تتغير لأن التقارير صيغت بلغة مطمئنة.
إن وجود صوت مختلف داخل المؤسسة ليس عبئاً بالضرورة؛ قد يكون جهاز الإنذار الذي يحميها من خطأ جماعي. والمستشار الجيد ليس من يؤكد للقيادة ما تعرفه، بل من يساعدها على رؤية ما أغفلته، وعلى اختبار ما اعتبرته بديهياً.
السؤال الذي يفتح الباب
المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي لا تمتلك مُسلَّمات، بل تلك التي تعرف متى تراجعها، وكيف تفصل بين الثوابت التي تحفظ هويتها، والأفكار المتغيرة التي يجب أن تتطور مع الزمن.
والمؤسسات التي تصنع المستقبل ليست التي تعادي ماضيها، بل التي لا تسمح للماضي بأن يحتكر مستقبلها.
ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه كل أمة، وكل هيئة، وكل شركة، وكل قائد هو:
ما الفكرة التي نعاملها اليوم كحقيقة نهائية، رغم أنها لم تعد سوى عادة قديمة؟
عند الإجابة الصادقة عن هذا السؤال، تبدأ المعرفة في الحركة، وتستعيد العقول حيويتها، وتخرج المؤسسات من أسر التكرار.
فالمستقبل لا تصنعه العقول التي تحفظ الإجابات الجاهزة، بل العقول التي تمتلك الجرأة على إعادة صياغة الأسئلة.





