مقالات وآراء

محمد أبو عجور يكتب: التباين داخل حماس.. اختلاف طبيعي أم صراع جبهات؟


ليس منطقيًا أن تكون قيادات الحركات السياسية والمقاومة نسخة واحدة في التفكير والأداء. فاختلاف الرؤى لا يعني بالضرورة انقسامًا، كما أن وحدة التنظيم لا تعني إلغاء التفاوت في الخبرات والشخصيات والتقديرات.
وفي حالة حماس، يبدو التباين بين القيادات، ومنها ما يُنسب إلى مدرستي خالد مشعل وخليل الحية، أقرب إلى اختلاف في ترتيب الأولويات وطرق إدارة العلاقات والمرحلة، لا إلى خلاف على أصل المقاومة أو الثوابت الكبرى للحركة.
لكن لماذا يُقدَّم كل اختلاف داخل الحركات العربية بوصفه صراعًا بين أجنحة وجبهات؟
……..الاختلاف نتيجة طبيعية لتعدد البيئات
حماس ليست جسمًا اجتماعيًا واحدًا؛ فهي موزعة بين غزة والضفة والسجون والخارج، وتجمع بين العمل السياسي والدعوي والاجتماعي والمقاوم. ومن الطبيعي أن تنتج هذه البنية خبرات مختلفة.
القائد الذي عاش داخل غزة يرى الاحتلال من خلال الحصار والقصف والمواجهة اليومية وحماية المجتمع وبناء القوة. أما القائد الذي عمل سنوات طويلة في الخارج، فيرى القضية كذلك من خلال العلاقات الدولية والوسطاء والدول والرأي العام ومساحات الحركة السياسية.
كلاهما ينظر إلى القضية نفسها، ولكن من موقع مختلف.
ولهذا لا يصح اختزال التباين في ثنائية مبسطة من نوع: متشدد ومعتدل، أو مقاوم وسياسي؛ فالحية مارس التفاوض والعلاقات الخارجية، ومشعل لم يعلن تخليه عن المقاومة أو سلاحها. الفارق غالبًا في الوزن الذي يمنحه كل قائد للأداة العسكرية أو السياسية، وفي توقيت استخدامها وحدودها.
…..النشأة والمسار يصنعان الرؤية
كل قائد يحمل معه سيرته الشخصية والسياسية. من عاش السجن والمطاردة والاغتيالات وفقد أفرادًا من أسرته قد يصبح أكثر حذرًا من الوعود السياسية، وأكثر تمسكًا بأدوات القوة.
ومن قضى القسم الأكبر من تجربته في الخارج وإدارة العلاقات، قد يكون أكثر اهتمامًا بتوسيع التحالفات، واستثمار التناقضات الدولية، وتحسين صورة الحركة وشرعيتها السياسية.
هذه ليست أحكامًا حتمية، لكنها عوامل مؤثرة في تشكيل الرؤية. فالإنسان لا يدخل موقع القيادة مجردًا من تجربته، بل يحمل معه ذاكرته ومخاوفه وشبكة علاقاته وطريقته في قراءة المخاطر.
……..الحرب تعيد إنتاج الخلافات
الحرب الطويلة لا توحد الرؤى دائمًا، بل تفتح أسئلة أكثر عمقًا: هل تحققت مكاسب توازي حجم التضحيات؟ هل ينبغي الاستمرار بالوسائل نفسها؟ كيف تتحول المقاومة العسكرية إلى إنجاز سياسي؟ وكيف يمكن حماية المجتمع من الاستنزاف؟
قد يرى فريق أن الصمود ومنع تصفية القضية يمثلان نجاحًا تاريخيًا، بينما يركز آخر على الكلفة البشرية والدمار والحاجة إلى مراجعة الأدوات والتحالفات.
وقد تجتمع الرؤيتان معًا؛ فالمقاومة قد تحقق أثرًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى مراجعة دقيقة للأداء والنتائج والمآلات.
لذلك فإن التباين بعد الحرب ليس أمرًا شاذًا، بل استجابة طبيعية لتجربة شديدة القسوة والتعقيد.
……القرب من العمل المسلح
يؤثر الموقع الوظيفي أيضًا في تعريف النجاح.
القريب من العمل الميداني يقيس النجاح بقدرة المقاومة على البقاء، وإيلام الاحتلال، ومنع الاستسلام، وحماية البنية العسكرية.
أما السياسي فيقيسه بمدى تحويل الصمود إلى مكاسب، أو وقف الحرب، أو توسيع الاعتراف السياسي، أو تحسين شروط الشعب الفلسطيني.
والعامل الاجتماعي قد يقيس النجاح بحماية الناس، والحفاظ على الخدمات، ومنع انهيار المجتمع.
كل هذه المقاييس مشروعة، لكن الخطر يبدأ حين تحتكر إحدى الدوائر تعريف المصلحة، أو حين ينفصل العسكري عن السياسي، والسياسي عن المجتمع.
الحركة الناجحة هي التي تدمج هذه الحسابات في قرار واحد.
…….ثقافة عربية تخاف الاختلاف
جزء من المشكلة لا يتعلق بحماس وحدها، بل بالمناخ التنظيمي العربي عمومًا. ففي كثير من الأحزاب والحركات، تُفهم الوحدة بوصفها تطابقًا، ويُفهم النقد باعتباره تمردًا، وتُفهم المنافسة على القيادة باعتبارها خصومة.
……. وحين تضعف الشورى، تصبح الخلافات سرية، ثم تظهر في صورة تسريبات واصطفافات وشخصنة واتهامات متبادلة. وبدل أن تكون المؤسسات مكانًا لإدارة الاختلاف، تتحول إلى أدوات لإخفائه أو قمعه.ولهذا فالشوري الحقيقية هي الضمان وهي المعين للجميع علي اتخاذ القرار
الحركة القوية ليست التي لا تعرف الخلاف، بل التي تملك آليات تسمح بالتعبير عنه، ثم تحسمه بقرار مؤسسي يحترمه الجميع.
…….متى يصبح التباين خطرًا؟
لا يصبح الاختلاف خطرًا لمجرد وجود رؤيتين، وإنما حين يتحول إلى شبكات ولاء، أو مراكز قرار متوازية، أو علاقات خارجية خاصة بكل اتجاه، أو تسريبات تستهدف إضعاف المنافسين، أو تعطيل للقرارات، أو استبعاد للطرف الذي خسر الانتخابات.
عندها ينتقل الخلاف من الاجتهاد إلى الصراع على الشرعية والنفوذ والموارد.
أما إذا بقي داخل مجلس الشورى ومؤسسات الحركة، وشارك الجميع في صنع القرار، فإنه يصبح عامل قوة؛ لأنه يمنع الانغلاق، ويوسع البدائل، ويكشف المخاطر، ويوازن بين غزة والخارج، وبين المقاومة والسياسة.
……المطلوب ليس إلغاء الاختلاف
ليس المطلوب أن يتحول قادة حماس إلى شخصية واحدة، فهذا غير ممكن ولا صحي. المطلوب هو وجود مرجعية مشتركة، وشورى حقيقية، وقيادة جماعية، وقواعد واضحة لإدارة التباين.
فالانتخابات تحسم المسؤولية، لكنها لا تلغي خبرة المنافس. والأغلبية تقود، لكنها لا تحتكر الحقيقة. والأقلية تلتزم بالقرار، لكنها لا تفقد حقها في النقد والتقييم.
وقد لخّص القرآن هذه المعادلة بقوله تعالى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ثم حذر من تحول الاختلاف إلى تنازع يبدد القوة:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
الخلاصة
التباين بين قادة حماس ليس دليل ضعف في ذاته، بل نتيجة طبيعية لاختلاف النشأة والموقع والخبرة والقرب من غزة والعمل المسلح والعلاقات الخارجية وتأثير الحرب.
والمشكلة ليست في وجود أكثر من رؤية، وإنما في غياب المؤسسة القادرة على إدارتها.
فإذا تحولت التباينات إلى تكامل بين خبرة المقاومة وخبرة السياسة، وبين الميدان والخارج، أصبحت ثروة للحركة والقضية. أما إذا تحولت إلى جبهات ولاءات ومراكز نفوذ متنافسة، فإنها قد تصبح مدخلًا للانقسام والتدخل الخارجي.
الحركة الناضجة لا تصنع عقولًا متطابقة، بل تجمع عقولًا متعددة داخل ضمير واحد ومؤسسة واحدة وقرار واحد بعد شورى حقيقية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى