مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب: ​أُمَّةٌ، أَمْ أُمَّتَانِ، أَمْ أَمَةٌ؟


منذ عقود طويلة، يُطرح السؤال العربي نفسه بصيغ متعددة: لماذا فشلت مشاريع الوحدة؟ ولماذا بقيت القضية الفلسطينية عاجزة عن توحيد العرب والمسلمين رغم مركزيتها الرمزية؟ لكن ربما كان السؤال الأعمق ليس: هل نحن أمة واحدة أم أمتان؟ بل: هل ما زلنا أصلًا أمة، أم تحولنا إلى أَمَة تتنازعها إرادات الآخرين؟


فالفرق بين الأمة والأَمَة ليس فرقًا لغويًا فحسب، بل فرق في الموقع داخل التاريخ، الأمة هي التي تملك قرارها، تحدد أولوياتها، وتخوض صراعاتها وفق مصالحها ورؤيتها، أما الأَمَة فهي التي تتحرك داخل خرائط رسمها غيرها، وتخوض حروبًا لا تختار توقيتها، وتتبنى شعارات لا تملك القدرة على تحقيقها، وتنفذ ارادات لا علاقة لإرادتها بها، هذا ان وجدت إرادة لديها أصلا.


لهذا لا يبدو الانقسام العربي مجرد خلاف بين دول، بل علامة على فقدان الإرادة المشتركة، فحين تصبح العواصم العربية متنافسة على رضا القوى الدولية أكثر من تنافسها على بناء مشروع مستقل، تتحول الحدود من أدوات تنظيم سياسي إلى جدران تمنع تشكل أي فعل جماعي.


كانت فلسطين، في الوعي العربي، رمز الأمة الواحدة، لكن التجربة التاريخية كشفت أن الأنظمة كثيرًا ما استخدمتها لا بوصفها قضية تحرير، بل بوصفها مصدر شرعية داخلية، فمنذ تدخل النظام السوري في لبنان عام 1976 تحت شعار حماية الفلسطينيين، مرورًا بحروب القذافي في تشاد، وصولًا إلى الخطابات القومية التي رفعت اسم فلسطين بينما كانت الجيوش تُستنزف في ساحات أخرى، كاستنزاف الجيش المصري في اليمن في الستينات، مما كان له الأثر الكبير في هزيمة 1967، ودما ظل يتكرر المشهد ذاته: فلسطين تُستدعى في الخطاب، وتُؤجَّل في الفعل.


ولم يكن الأمر مجرد نفاق سياسي، بل تعبيرًا عن أزمة أعمق؛ إذ إن الدولة العربية الحديثة وُلدت في ظل توازنات دولية جعلت بقاء النظام مرتبطًا بعلاقته بالخارج أكثر من ارتباطه بإرادة الداخل، وهكذا أصبحت الأولوية حماية السلطة، لا بناء مشروع قومي مستقل، وعندما تتعارض القضية الفلسطينية مع ضرورات البقاء السياسي، تُعاد صياغتها بما يخدم تلك الضرورات.


حتى الفلسطينيون أنفسهم لم ينجوا من هذا المنطق. فالانقسام بين فتح وحماس لم يكن فقط خلافًا على الوسائل، بل انعكاسًا لتحول الحركة الوطنية إلى سلطتين تتنازعان الشرعية والموارد والتحالفات. وهنا تظهر المأساة الكاملة: القضية التي كان يفترض أن توحّد الأمة، أصبحت مرآة لانقسامها لذاتها بذاتها ومع الآخرين، حتى ان أصحاب القضية أنفسهم رأوا بامتلاكها دون تحقيق أهدافها، سلطة لهم، تجعلهم يقفون على قدم المساواة مع الأنظمة العربية، دون ارض لهم يقفون عليها، ولذا طالبوا الجميع بالانفضاض من حولهم، لإبقاء القضة باسمهم على شكل دولة في الوهم ،تمنحهم الصفة ولا تمنحهم التراب.
لكن وصف الواقع بأنه «أمتان» لا يكفي. فالأمتان تختلفان في الرؤية، لكنهما تملكان إرادتهما، أما العالم العربي اليوم، فيبدو أقرب إلى فضاء تتقاسمه القوى الكبرى: أمنه مرهون بتحالفات خارجية، واقتصاده مرتبط بمراكز مالية دولية، وحروبه تُدار ضمن توازنات إقليمية ودولية، وحتى خطابه السياسي يُصاغ غالبًا بلغة تطمئن الخارج قبل أن تعبّر عن الداخل.


من هنا يكتسب العنوان معناه الكامل: أمة أم أمتان أم أَمَة؟
لسنا أمام أمة واحدة قادرة على الفعل المشترك، ولسنا حتى أمام أمتين متكافئتين تتصارعان على مشروعين مستقلين، بل أمام كيانات فقد كثير منها القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي حر، فأصبحت تتحرك بين الضغوط الأميركية والروسية والإسرائيلية والإيرانية والتركية وغيرها.
إن أخطر أشكال العبودية السياسية ليس الاحتلال المباشر، بل أن تعتاد الشعوب والدول التفكير ضمن حدود ما يسمح به الآخرون، عندها يصبح السؤال:

ماذا يريد الخارج؟ قبل أن يصبح: ماذا نريد نحن؟


ولهذا فإن تحرير فلسطين، أو بناء وحدة عربية، أو استعادة دور إسلامي فاعل، لن يبدأ من الشعارات، بل من استعادة الإرادة، فالأمة لا تُقاس بعدد من يتحدث باسمها، بل بقدرتها على أن تقول «لا» حين تتعارض مصالحها مع إرادة القوى الكبرى.
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه العرب اليوم ليس سؤال الحدود ولا التحالفات، بل سؤال الحرية السياسية: هل نملك قرارنا؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فإننا لسنا أمة واحدة، ولا أمتين متنافستين، بل أَمَة تتقاسمها الأمم الأخرى.
وحينها تصبح المأساة مضاعفة: لأن من لا يملك نفسه لا يستطيع أن يحرر أرضه، ومن لا يملك قراره لا يستطيع أن يبني أمة بل سيبقى أَمَة خانعة تطيح بها الأسرة حيث أمكن ليس لمن يدفع أكثر بل لمن يملك السطوة والقوة أكثر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى