ويصا واصف باشا: محطم السلاسل وأول وآخر رئيس قبطي لبرلمان مصر

تستعيد الذاكرة الوطنية في شهر يونيو سيرة الزعيم الوطني ويصا واصف باشا الذي أفرزته حاضنة مركز طهطا عام 1873 ليكتب اسمه بحروف من نور في السجلات البرلمانية باعتباره أول رئيس قبطي لمجلس النواب. انطلق هذا الرمز الوطني من مبادئ صلبة دافعت عن استقلال الوطن ليكون رفيق كفاح للزعيم سعد زغلول ضمن صفوة الرجال الذين خاضوا غمار التفاوض والتحدي في ثورة 1919 الخالدة دفاعاً عن الكرامة والسيادة الشعبية.
تولى الراحل منصب وكيل البرلمان ثم ارتقى مقعد الرئاسة خلال فترات حاسمة امتدت بين شهور مارس عام 1928 حتى شهر أكتوبر عام 1930 وسط عاصفة من التحولات السياسية العاتية في عهد الملك فؤاد الأول. امتاز بمهارات خطابية فريدة تكللت بإتقان تام للغة العربية واللغة الفرنسية مما جعل مرافعه البرلمانية والقانونية منصة حية للدفاع عن الحقوق الدستورية والتشريعية بكل اقتدار وجدارة تاريخية فائقة.
قصة محطم السلاسل أسطورة البرلمان وتاريخ النيابة الخالد
تخلد الذاكرة السياسية الموقف الأسطوري حين أقدم الملك فؤاد على إغلاق مبنى البرلمان وتأجيل انعقاده في شهر يونيو عام 1930 لتخرج مسيرة جماهيرية كبرى يقودها مصطفى النحاس نحو الأبواب الموصدة بالسلاسل الحديدية الغليظة. تقدم ويصا واصف باشا بثبات وشجاعة منقطعة النظير ليقوم بكسر السلسلة وفتح أبواب البرلمان أمام نواب الشعب في ملحمة بطولية نال على إثرها لقب محطم السلاسل بجدارة واستحقاق شعبي واسع.
تجلت عبقرية الرجل في تنوعه الثقافي وحبه الجارف للتراث والفنون حيث أطلق أسماء فرعونية أصيلة على أبنائه وهم رمسيس وأوزوريس ووريس وإايزيس وسيروس ليعكس ارتباطه العميق بتاريخ وطنه الحضاري العريق. يذكر التاريخ أن نجله رمسيس ويصا واصف قد صار لاحقاً معمارياً وفناناً عالمياً شهيرًا أسس مركز الفنون في الحرانية ليخلد إرث العائلة الإبداعي في مجالات المعمار والتصميم الراقي.
الوفاة والأثر الخالد في وجدان الأمة
ترجل الفارس عن صهوة الحياة في شهر مايو عام 1931 عن عمر ناهز 58 عاماً ليشهد التاريخ جنازة شعبية مهيبة شارك فيها المسلمون والأقباط حاملين النعش وسط هتافات مدوية ترثي محطم السلاسل وتستذكر مواقفه الوطنية الخالدة. ترك الرجل تركة ضخمة من النزاهة والشرف حيث عُرف عنه الدفاع المجاني عن غير القادرين في ساحات المحاكم المختلطة طوال مسيرته المهنية الحافلة بالبذل والعطاء.
تظل سيرة ويصا واصف باشا منارة تضيء دروب العمل النيابي والسياسي في البلاد وتؤكد وحدة النسيج الوطني على مر العصور والأزمات المختلفة. تجسد هذه المسيرة الحافلة نموذجاً فريداً للرجل السياسي الذي يعلي مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات ويواجه الاستبداد بشجاعة لا تلين أمام عصف الرياح العاتية.







