شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: العدالة والحقوق… ماذا تبقى من المواطنة؟ مصر الممكنة 2030 (54) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (25)


ليست المواطنة بطاقة هوية يحملها الإنسان في جيبه، ولا رقمًا قوميًّا يرافقه من الميلاد إلى الوفاة، ولا مجرد رابطة قانونية بين الفرد والدولة. فهذه كلها مظاهر خارجية لفكرة أعمق بكثير. المواطنة في جوهرها شعور. شعور بأن الإنسان شريك في الوطن لا مجرد مقيم فيه، وأن حقوقه لا تأتي من رضا السلطة عنه، بل من كونه مواطنًا كامل الأهلية والكرامة والحقوق.

حين نشأت الدولة الحديثة، لم يكن أعظم ما قدمته للإنسان هو الجواز أو الجنسية أو الوثائق الرسمية. أعظم ما قدمته كان فكرة أن الحقوق لا ترتبط بالمكانة الاجتماعية ولا بالثروة ولا بالقرب من السلطة، وإنما تنبع من صفة واحدة: أن الإنسان مواطن. ولهذا كانت المواطنة في جوهرها ثورة قانونية وأخلاقية ضد الامتيازات، وضد التمييز، وضد فكرة الرعايا التي سادت قرونًا طويلة.

كلما تأملت مسار العدالة في مصر خلال العقود الأخيرة، ازددت اقتناعًا بأن السؤال المركزي لم يعد فقط: كيف نصلح المحاكم؟ أو كيف نحدث القوانين؟ بل كيف نعيد الاعتبار لفكرة المواطنة نفسها؟ لأن كثيرًا من الأزمات التي ناقشناها في هذا الباب، من الحبس الاحتياطي إلى الكيانات الإرهابية، ومن بطء العدالة إلى أزمة الثقة في القانون، تعود في جوهرها إلى العلاقة بين المواطن والدولة.

خبرتي الشخصية علمتني أن الإنسان يستطيع أن يتحمل خصومة سياسية، بل ويمكن أن يتحمل ظلمًا مؤقتًا أو قرارًا جائرًا، لكنه يجد صعوبة بالغة في تحمل شعور مختلف تمامًا: أن حقوقه أصبحت مرتبطة بموقعه السياسي أو الفكري أو الاجتماعي. ففي تلك اللحظة لا يشعر الإنسان فقط بالظلم، بل يشعر بأن مواطنته نفسها أصبحت موضع اختبار.

ولهذا فإن الدولة القانونية الحقيقية لا تميز بين مواطن وآخر على أساس الرأي أو الانتماء أو الموقع. القانون لا يسأل المواطن: هل تؤيد أم تعارض؟ هل توافق أم تختلف؟ هل أنت قريب من السلطة أم بعيد عنها؟ لأن المواطنة تسبق كل هذه الأسئلة. وهي الأرضية المشتركة التي يفترض أن يقف عليها الجميع قبل أن يبدأوا اختلافاتهم.

من أخطر التحولات التي تصيب أي مجتمع أن تنتقل الحقوق من كونها حقوقًا أصيلة إلى كونها امتيازات قابلة للمنح والمنع. فالحق الذي يمكن سحبه لمجرد الاختلاف السياسي يفقد جزءًا من معناه. والحق الذي يحتاج صاحبه إلى إثبات ولائه كي يحصل عليه لا يعود حقًا كاملًا بالمعنى الدستوري الحديث.

لهذا لم يكن غريبًا أن تحتل فكرة المواطنة مكانًا مركزيًا في أغلب الدساتير الحديثة. فالدستور لا يحمي المواطن لأنه نافع للدولة، بل لأن الدولة نفسها قامت أصلًا لخدمة المواطنين. وهذه النقلة الفكرية كانت من أهم التحولات التي عرفتها البشرية منذ نشأة الدولة الوطنية الحديثة.

حين نراجع تجارب الدول التي نجحت في بناء نظم قانونية مستقرة، نجد أن العامل المشترك بينها لم يكن الثراء ولا القوة العسكرية ولا حتى الاستقرار السياسي في البداية. العامل المشترك كان الإيمان العميق بأن القانون يجب أن يعامل الجميع على قدم المساواة، وأن المواطنة لا تتجزأ.

ولهذا فإن أزمة المواطنة لا تظهر فقط في القضايا الكبرى التي تتصدر العناوين. بل تظهر في التفاصيل اليومية الصغيرة. تظهر حين يشعر المواطن أن الوصول إلى حقه أصعب من وصول غيره. وتظهر حين تتفاوت معاملة الناس أمام المؤسسات العامة. وتظهر حين يصبح النفوذ بديلًا عن القانون. وتظهر حين يعتقد البعض أن القرب من السلطة يمنح حصانة غير مكتوبة.

العدالة هنا لا تؤدي وظيفة قضائية فقط، بل تؤدي وظيفة وطنية. فهي المؤسسة التي تذكر الجميع بأن المواطنة لا تُقاس بالقوة ولا بالثروة ولا بالموقع. وأن الدولة، مهما كانت قوية، لا تملك أن تخلق مواطنين من درجات مختلفة إذا أرادت أن تبقى دولة قانون.

خلال سنوات العمل السياسي كنت ألاحظ أن المجتمعات التي تضعف فيها الثقة بالمواطنة تتجه تدريجيًا إلى البحث عن بدائل: طائفية، أو قبلية، أو جهوية، أو فئوية، أو أيديولوجية. لأن الإنسان يحتاج دائمًا إلى إطار يشعر داخله بالحماية والانتماء. فإذا ضعفت المواطنة، بحث عن حماية بديلة في أي مكان آخر.

وهنا تكمن خطورة الأمر. فالمواطنة ليست فقط حقًا للفرد، بل ضرورة للدولة. الدولة التي تضعف فيها فكرة المواطنة تدخل في سباق طويل مع الانقسامات الصغيرة التي تبدأ محدودة ثم تكبر مع الزمن.

لهذا فإن إصلاح العدالة في مصر يجب أن يكون جزءًا من مشروع أوسع لاستعادة الثقة في المواطنة. فالمواطن الذي يثق أن القانون يحميه لن يحتاج إلى وسيط، ولن يبحث عن حماية خارج الدولة، ولن يشعر أن حقوقه رهينة لموازين القوى.

مصر الممكنة التي نحلم بها في عام 2030 تحتاج إلى مواطن يشعر أن الدولة له وليست عليه. وأن الدستور يحميه لا يراقبه فقط. وأن المحكمة مفتوحة له كما هي مفتوحة لغيره. وأن حقه لا يتغير بتغير الحكومات أو المسؤولين أو الظروف السياسية.

هذه ليست أحلامًا مثالية. إنها جوهر الدولة الحديثة. وهي الفكرة التي دفعت أجيالًا كاملة من المصريين إلى النضال من أجل الدستور والقانون والبرلمان والقضاء المستقل وحرية الصحافة وحق التنظيم السياسي. لأن كل هذه الأدوات لم تكن غايات في ذاتها، بل وسائل لحماية فكرة واحدة أكبر منها جميعًا: المواطنة.

وما دامت المواطنة ناقصة، ستبقى العدالة ناقصة.

وما دامت العدالة ناقصة، ستبقى الثقة ناقصة.

وما دامت الثقة ناقصة، سيبقى مشروع الدولة الحديثة مشروعًا غير مكتمل.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يرافقنا ونحن نقترب من عام 2030 ليس فقط: ما الذي تبقى من فكرة المواطنة؟

بل: كيف نعيد إليها ما فقدته؟

لأن مستقبل العدالة يبدأ من هنا.

من المواطن.

لا من السلطة.

ومن الحق.

لا من الامتياز.

ومن المساواة أمام القانون.

لا من تفاوت الحظوظ أمامه.

الحلقة القادمة:

مصر الممكنة 2030 (55)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (26)

العدالة والكرامة الإنسانية… الإنسان أولًا
:::

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى