مقالات وآراء

ساسية بكاري تكتب: من دارفور إلى فزان.. كيف اقتربت حرب السودان من الأمن الجزائري؟

لم تعد الحرب السودانية بعيدة عن الجزائر بآلاف الكيلومترات. فالمسارات التي تربط دارفور بشرق تشاد ثم بجنوب ليبيا جعلت آثارها تتحرك داخل فضاء صحراوي متصل، تمر عبره الأسلحة والوقود والذهب والمقاتلون وشبكات التهريب.

ولا يعني ذلك وجود ممر ثابت تديره جهة مركزية واحدة، بل شبكة مرنة تتبدل طرقها بحسب السيطرة الميدانية وحاجة أطراف الحرب إلى السلاح والتمويل. لكن اتساع هذه الشبكة نقل فزان تدريجيًا من منطقة عازلة بين أزمات الإقليم إلى منصة وصل بين حرب السودان واضطرابات الساحل.

المشكلة أن الجزائر لم تعد تواجه حربًا واحدة، بل انهيار الحدود الفاصلة بين عدة حروب.

فالصحراء الغربية لا تزال الخلفية السياسية الأقدم لخلاف الجزائر مع الإمارات، بينما تمثل الشبكة الممتدة بين السودان وتشاد وجنوب ليبيا مصدر القلق الأمني الأحدث.

حين أصبحت فزان منصة وصل

تنظر الجزائر إلى جنوب ليبيا باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي. فالحدود الصحراوية الطويلة، وضعف الدولة الليبية، وانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، تجعل أي اضطراب في فزان قابلًا للانتقال نحو الأراضي الجزائرية.

لكن الخطر لم يعد مقتصرًا على الهجرة غير النظامية أو تهريب المخدرات والسلاح. الجديد هو اقتراب اقتصاد الحرب السودانية من الجنوب الليبي.

فمن دارفور تمتد طرق صحراوية عبر تشاد نحو مناطق في فزان تسيطر عليها قوى عسكرية ومحلية متعددة. وتتحرك عبر هذه الطرق شبكات تملك خبرة طويلة في نقل الوقود والذهب والمقاتلين والسلع غير المشروعة.

وقد أثارت الرحلات المتكررة إلى مطار أم جرس في شرق تشاد، وما صاحبها من شبهات بشأن نقل إمدادات إلى قوات الدعم السريع، أسئلة عن موقع تشاد داخل خطوط الحرب السودانية. ورغم عدم التحقق بصورة مستقلة من محتويات جميع الشحنات، فإن موقع المطار القريب من دارفور، واتصال المنطقة بمسارات جنوب ليبيا، يوضح كيف يمكن لشبكة واحدة أن تخدم أغراضًا إنسانية وتجارية وعسكرية في الوقت نفسه.

هذه الطرق سبقت حرب السودان، لكنها اكتسبت أهمية أكبر بعد اندلاعها في نيسان/ أبريل 2023، مع ارتفاع الطلب على السلاح والوقود والمقاتلين والتمويل. وبهذا لم تعد فزان مجرد هامش للصراع الليبي، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد حرب إقليمي يصل السودان بالساحل وشمال أفريقيا.

من شرق ليبيا إلى حرب السودان

تزداد حساسية الجزائر لأن البنية العسكرية التي تشكلت في شرق وجنوب ليبيا خلال السنوات الماضية باتت تتقاطع مع مسارات الحرب السودانية.

دعمت الإمارات قوات خليفة حفتر لسنوات، وقدمت ذلك باعتباره مساندة لقوة قادرة على مكافحة الإرهاب وفرض الاستقرار. لكن هجوم حفتر على طرابلس عام 2019 لم يوحد ليبيا، بل عمق انقسامها، واستدعى تدخلات خارجية أوسع، وأبقى مناطق كبيرة من الشرق والجنوب خارج سلطة حكومة مركزية موحدة.

ومع اندلاع الحرب السودانية، اكتسبت بعض المناطق الخاضعة لنفوذ قوات حفتر قيمة لوجستية إضافية، بسبب قربها من تشاد ودارفور، وما توفره من طرق عبور ووقود ومخازن وشبكات وساطة.

لا يعني ذلك أن القيادة العامة تدير كل حركة على هذه الطرق، أو أن جميع الشبكات تعمل بأوامر إماراتية. فالحدود الصحراوية أوسع من قدرة أي قوة واحدة على ضبطها، وتتحرك فيها جماعات ليبية وتشادية وسودانية وفق مصالح متغيرة.

لكن وجود سلطات عسكرية محلية تسيطر على الأرض خارج رقابة دولة موحدة يمنح القوى الخارجية فرصًا أكبر لاستخدام هذه المسارات والتأثير فيها.

ماذا تريد الإمارات؟

يمكن قراءة تحركات أبوظبي في ليبيا والسودان والبحر الأحمر باعتبارها سعيًا إلى بناء شبكة وصول تربط الموارد البرية، وفي مقدمتها الذهب، بالموانئ والأسواق والممرات التجارية الإقليمية.

وفي الدول الضعيفة قد يكون التعامل مع قوة محلية مسيطرة على الأرض أسرع من انتظار بناء مؤسسات وطنية موحدة. لكن ما يمنح الإمارات نفوذًا سريعًا يترك للمنطقة كلفة طويلة؛ لأن القوى المسلحة التي تحصل على المال والغطاء الخارجي تصبح أقل استعدادًا لتسويات تعيدها إلى سلطة الدولة.

وهذا هو جوهر القلق الجزائري. فالمشكلة ليست في النفوذ الاقتصادي الإماراتي بذاته، بل في تحوله إلى نفوذ أمني يعتمد على شركاء محليين يستفيدون من استمرار الانقسام.

الجزائر تحمي حدودها ولا تعيد تشكيل محيطها

تواجه الجزائر ضغوطًا متزامنة: اضطراب مالي والنيجر جنوبًا، وهشاشة ليبيا شرقًا، والتنافس مع المغرب غربًا، إلى جانب تراجع قدرتها على التأثير في بعض ملفات الساحل.

لذلك تقوم مقاربتها أساسًا على تحصين الحدود، ورفض الحسم العسكري في ليبيا، ودعم المؤسسات المركزية والتسويات السياسية. لكنها تظل مقاربة دفاعية أكثر من كونها قادرة على تغيير ما يحدث داخل السودان وتشاد وفزان.

فالجزائر قادرة على حماية حدودها أكثر مما هي قادرة على إعادة تشكيل محيطها.

وهنا تكمن المعضلة: تستطيع الجزائر تشديد الرقابة على أراضيها، لكنها لا تستطيع وحدها تفكيك اقتصاد حرب عابر للحدود، أو إعادة بناء دول تتآكل مؤسساتها من الداخل.

لذلك لم يعد السؤال ما إذا كانت حرب السودان ستصل إلى الجزائر مباشرة، بل ما إذا كانت أزمات دارفور وتشاد وفزان والساحل ستندمج في منظومة واحدة تتحرك فيها الأسلحة والذهب والمقاتلون والنفوذ الخارجي.

الصحراء الغربية تفسر عمق الخلاف السياسي بين الجزائر والإمارات، لكن التحول الجاري من دارفور إلى فزان يفسر لماذا أصبح هذا الخلاف، في نظر الجزائر، أكثر اتصالًا بأمنها القومي المباشر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى