الدكتور أيمن نور يكتب: يوم في مكتبة رامي.. التاريخ يصافح الإبداع وتولد الحكايات

هناك أماكن لا تُزار فحسب، بل تُستعاد فيها صلة الإنسان بالزمن، وتُفتح فيها نوافذ الروح على آفاق المعرفة والجمال. ومن بين هذه الأمكنة الفريدة، تقف مكتبة رامي في إسطنبول شامخةً كتحفة تجمع بين عراقة الماضي ونبض الحاضر؛، فقد احتضنت جدرانها، التي كانت يومًا جزءًا من ثكنات رامي العثمانية التاريخية، أكثر من قرنين ونصف من الذاكرة، قبل أن تتحول إلى منارة ثقافية حديثة تنبض بالعلم والفكر والفن.
على امتداد تاريخها الذي يتجاوز 250 عامًا، ظلت هذه البقعة شاهدة على تحولات الزمن، حتى جاء ميلادها الجديد كمجمع مكتبي وثقافي يعد من الأكبر في أوروبا من حيث المساحة؛ فضاءٌ لا يكتفي بحفظ الكتب، بل يحتفي بالإنسان الباحث عن المعرفة، وبالمبدع الذي يبحث عن مساحة يزرع فيها أفكاره وأحلامه.
تمتد المكتبة على مساحة داخلية تبلغ 36 ألف متر مربع، تحيط بها حدائق ومساحات خضراء تمتد على نحو 51 ألف متر مربع، في مشهد تتعانق فيه العمارة التاريخية مع جمال الطبيعة. وبين قاعات القراءة الهادئة، التي تضم أكثر من 4200 مقعد، والمكتبات المتخصصة في الأدب والتاريخ والعلوم والتكنولوجيا.
يجد الزائر نفسه في حضرة عالم مفتوح، تتجاور فيه الكلمة مع التأمل، والمعرفة مع الإلهام.ولا تقتصر روعة المكان على أروقته الداخلية؛ فحدائقه الواسعة، وبحيرته الصغيرة، وممراته الهادئة، ومعارضه وفعالياته الثقافية، تجعل منه فضاءً حيًا تتلاقى فيه العقول وتتبادل فيه الثقافات حضورها الإنساني النبيل.
وفي هذا الصرح الثقافي الاستثنائي، كان لي شرف المشاركة في افتتاح المعرض الثقافي والفني الذي أقامه بيت الفن التركي العربي الدولي ضمن فعاليات دورته الثامنة، بمشاركة نخبة من الفنانين والمبدعين الأتراك والعرب ومن مختلف أنحاء العالم، تحت عنوان يحمل الكثير من الدلالة والجمال: “ألوان ترسم حكايات”.
فلم تكن اللوحات المعروضة مجرد مساحات من اللون والخط، بل كانت جسورًا من التواصل الإنساني، تروي حكايات الشعوب، وتكشف عن قدرة الفن على تجاوز الحدود وصناعة لغة مشتركة بين القلوب. فحين تمتزج الألوان بالثقافات، يتحول الفن إلى ذاكرة حية تحفظ التنوع، وتحتفي بالإنسان في أبهى تجلياته.
كان يومًا من تلك الأيام التي تترك أثرها في الذاكرة… يوم اجتمع فيه عبق التاريخ مع إبداع الحاضر، وصوت الكتب مع نبض اللوحات، لتؤكد مكتبة رامي أن الثقافة ليست مجرد إرث نحفظه، بل حياة متجددة نصنع بها المستقبل



















