ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

صورة نادرة تجمع الملك فؤاد الأول والخديوي عباس حلمي الثاني

تحتفظ الأرشيفات المصرية بلقطة فوتوغرافية نادرة تعود إلى نحو عام 1894، تجمع بين شخصيتين محوريتين حكمتا مصر في مرحلتين متعاقبتين من تاريخها الحديث، وهما الأمير أحمد فؤاد الذي اعتلى العرش لاحقًا باسم الملك فؤاد الأول، والخديوي عباس حلمي الثاني. وتكتسب هذه الصورة أهمية خاصة كونها من أقدم التوثيقات البصرية التي تجمع الرجلين قبل أن يتولى كل منهما مقاليد الحكم، في وقت كانت فيه العلاقات داخل الأسرة المالكة تحمل دلالات سياسية وبروتوكولية عميقة.

علاقة عائلية دقيقة بين الرجلين

من المهم توضيح طبيعة القرابة بين الرجلين بدقة، إذ يشيع خطأ شائع يصف العلاقة بينهما بأنها أخوة، بينما تشير السجلات التاريخية إلى أن الأمير أحمد فؤاد كان الابن الأصغر للخديوي إسماعيل باشا، في حين أن عباس حلمي الثاني كان حفيد إسماعيل، وابن الخديوي توفيق باشا. وبذلك تكون العلاقة الفعلية بين الرجلين علاقة عمومة، حيث كان فؤاد عمًّا لعباس حلمي الثاني، لا شقيقًا له، رغم قرب سنّي الميلاد بينهما، إذ وُلد فؤاد عام 1868 بينما وُلد عباس حلمي الثاني عام 1874.

تُظهر الصورة الأمير الشاب أحمد فؤاد في الجانب الأيسر من المشهد، مرتديًا زيه العسكري الرسمي، بينما يجلس إلى جواره الخديوي عباس حلمي الثاني في وضع يعكس التسلسل البروتوكولي المعتاد داخل الأسرة الخديوية آنذاك. ورغم أن فؤاد كان الأصغر رتبة في التسلسل الوراثي المباشر للعرش قياسًا بابن أخيه الخديوي، فإن الصورة توثق لحظة جمعت الرجلين قبل نحو ثلاثة عقود من اعتلاء فؤاد العرش ملكًا على مصر عام 1917.

سياق تاريخي لمرحلة مفصلية

تنتمي هذه اللقطة إلى حقبة شهدت تحولات كبرى في تاريخ مصر الحديث، إذ كانت البلاد آنذاك تخضع للاحتلال البريطاني منذ عام 1882، بينما كان الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي تولى الخديوية عام 1892 وهو في التاسعة عشرة من عمره، يخوض مرحلة من التوازن الدقيق بين ممارسة صلاحياته الشكلية والضغوط التي فرضتها سلطات الاحتلال، ممثلة في المعتمد البريطاني آنذاك اللورد كرومر.

أما الأمير أحمد فؤاد، فقد قضى جانبًا كبيرًا من شبابه في التعليم العسكري بإيطاليا، قبل أن يعود إلى مصر ويشغل مواقع مختلفة في الحياة العامة، من بينها رئاسته للجامعة المصرية عند تأسيسها عام 1908. وبعد عزل الخديوي عباس حلمي الثاني عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وتولي عمه حسين كامل الحكم بلقب سلطان، ثم وفاته عام 1917، آلت السلطنة إلى فؤاد الذي أعلن لاحقًا مملكة مصر عام 1922 وتوّج ملكًا عليها.

قيمة أرشيفية للباحثين والمؤرخين

تكتسب هذه الصورة قيمتها من كونها وثيقة بصرية نادرة ترصد لحظة إنسانية عابرة بين رجلين ارتبط اسم كل منهما بمرحلة سياسية فارقة في تاريخ مصر الحديث، بعيدًا عن الطابع الرسمي الذي غلب على أغلب الصور المتداولة لأفراد الأسرة المالكة في تلك الحقبة. ويعتمد الباحثون في تاريخ مصر الحديث على هذا النوع من الوثائق البصرية لفهم طبيعة العلاقات الشخصية والبروتوكولية داخل البيت الخديوي، وانعكاسها على مسار الأحداث السياسية التي شهدتها البلاد خلال أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

وتبقى مثل هذه الصور شاهدة على حقبة تشكلت فيها ملامح الدولة المصرية الحديثة، من خلال صراع طويل بين الطموح الوطني نحو الاستقلال من جهة، والقيود التي فرضها الاحتلال البريطاني من جهة أخرى، وهي المرحلة التي عاش فيها كل من فؤاد وعباس حلمي الثاني أدوارًا متباينة، انتهت بأحدهما إلى المنفى، وبالآخر إلى تأسيس نظام ملكي استمر حتى قيام ثورة يوليو عام 1952.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى