مقالات وآراء

محمد أبو عجور يكتب: إذا سقط النظام غدًا.. من يملك البديل؟

السؤال الأخطر في مصر وتونس ليس: هل يسقط قيس سعيّد أو السيسي؟ بل: ماذا سيحدث في اليوم التالي للسقوط، ومن يملك القدرة على ملء الفراغ؟

فتجارب المنطقة تؤكد أن سقوط رأس النظام لا يعني بالضرورة سقوط بنيته، ولا يقود تلقائيًا إلى الحرية والديمقراطية. ففي لحظات الاضطراب لا يتقدم دائمًا الأكثر شعبية أو نزاهة، وإنما الطرف الأكثر تنظيمًا، والأقرب إلى مؤسسات القوة، والأقدر على طمأنة الداخل والخارج.

تونس: معارضة موجودة بلا قيادة موحدة

إذا غاب قيس سعيّد فجأة، فإن تونس تملك فرصًا أفضل نسبيًا لانتقال مدني، بسبب وجود نقابات ومجتمع مدني وخبرة سياسية سابقة، فضلًا عن أن الجيش التونسي أقل انغماسًا في الحكم والاقتصاد من نظيره المصري.

لكن المعارضة التونسية تعاني التشتت والانقسام، ولا يظهر حتى الآن مشروع انتقالي جامع، أو قيادة موحدة، أو اتفاق واضح حول إدارة مرحلة ما بعد سعيّد. ولذلك قد لا يكون البديل حكومة ديمقراطية جاهزة، بل ترتيبًا من داخل مؤسسات الدولة يحافظ على جوهر النظام مع تغيير رأسه.

مصر: الدولة أقوى من المعارضة

في مصر تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، فالنظام ليس شخص السيسي وحده، بل شبكة مترابطة من الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية والقضاء والإعلام والمصالح الاقتصادية.

ولهذا، إذا غاب السيسي بصورة مفاجئة، فالأرجح ألا تنتقل السلطة مباشرة إلى المعارضة، وإنما تتحرك مؤسسات النظام لاختيار شخصية من داخله أو قريبة منه، ثم تقديمها باعتبارها حامية للاستقرار والدولة.

قد يكون البديل عسكريًا، أو مسؤولًا أمنيًا، أو شخصية مدنية مقبولة من الجيش، لكن المرجح أن يكون تغييرًا في الواجهة أكثر منه تغييرًا في بنية الحكم.

هل تملك أمريكا وأوروبا البديل؟

لا توجد معلومات مؤكدة عن اسم محدد أعدته واشنطن أو العواصم الأوروبية لحكم مصر أو تونس، لكن الدول الكبرى تدرس دائمًا سيناريوهات انتقال السلطة، وتحافظ على اتصالات مع الجيش والأمن والدبلوماسيين ورجال الأعمال وبعض أطراف المعارضة.

الغرب لا يصنع كل الأحداث، لكنه يسعى إلى توجيه نتائجها بما يحفظ مصالحه.

في مصر، تتقدم لدى أمريكا وأوروبا ملفات أمن إسرائيل، واتفاقية كامب ديفيد، وقناة السويس، والهجرة، والاستقرار، والمصالح الاقتصادية، على أولوية بناء ديمقراطية حقيقية. ولذلك قد تدعم هذه القوى أي بديل يحافظ على تلك المصالح، ولو لم يكن ديمقراطيًا.

أما إسرائيل، فإن مصلحتها لا تكمن بالضرورة في انهيار مصر، بل في بقائها دولة ضعيفة سياسيًا واقتصاديًا، منشغلة بأزماتها الداخلية، وغير قادرة على التأثير الفاعل في فلسطين والمنطقة.

هل المعارضة المصرية جاهزة؟

الحقيقة المؤلمة أن المعارضة المصرية، بصورتها الحالية، ليست جاهزة لإدارة انتقال مفاجئ.

فلا توجد قيادة موحدة، ولا ميثاق انتقالي متفق عليه، ولا حكومة ظل، ولا برنامج واضح لأول مئة يوم، ولا تصور متكامل للعلاقة مع الجيش ومؤسسات الدولة، ولا اتفاق حول العدالة الانتقالية والمحاسبة.

كما أن الخلافات بين الإسلاميين والليبراليين واليساريين والقوميين ما زالت أعمق من قدرتهم على العمل المشترك، بينما اتسعت الفجوة بين قوى الداخل والخارج.

وهذا لا يعني غياب الكفاءات، بل يعني أن الكفاءات المتفرقة لم تتحول بعد إلى بديل سياسي منظم.

وهل الإخوان جاهزون؟

الإخوان المسلمون يملكون خبرة تنظيمية وكوادر بشرية وتاريخًا سياسيًا ممتدًا، لكنهم ليسوا اليوم جاهزين لحكم مصر منفردين، ولا ينبغي أن يكون هدفهم العودة إلى السلطة منفردين.

فالجماعة تعاني انقسامات قيادية وتنظيمية، وضعفًا شديدًا في الداخل، وأزمة ثقة مع أطراف سياسية ومجتمعية، كما لم تقدم مراجعة سياسية مكتملة لتجربة ما بعد ثورة يناير، ولا برنامجًا واضحًا للمرحلة الانتقالية.

الدور الأنسب للإخوان ليس تقديم أنفسهم باعتبارهم البديل الوحيد، وإنما المشاركة في جبهة وطنية واسعة، والقبول بالشراكة والتعددية وتداول السلطة، وتقديم الوطن على التنظيم، والمشاركة على المغالبة.

الجيش يملك القوة.. لكنه ليس الحل

في مصر، يظل الجيش الطرف الأكثر قدرة على السيطرة الفورية إذا وقع فراغ مفاجئ، فهو يملك السلاح والتنظيم والمؤسسات والقدرة على تأمين الدولة وطمأنة الخارج.

لكن امتلاك القوة لا يعني امتلاك الحل، فإذا أعاد الجيش إنتاج الحكم العسكري نفسه، فلن تتغير أسباب الأزمة، بل قد تتجدد الحلقة نفسها: قمع، وفشل اقتصادي، وانفجار اجتماعي، ثم تغيير جديد في رأس السلطة.

المطلوب ليس تفكيك الجيش أو الدخول في مواجهة معه، وإنما بناء صيغة وطنية تضمن حماية الدولة، وتعيد المؤسسة العسكرية تدريجيًا إلى وظيفتها الدستورية، بعيدًا عن إدارة السياسة والاقتصاد.

هل نحن أمام مخطط لتدمير المنطقة؟

لا شك أن قوى غربية وإقليمية وإسرائيل تستفيد من ضعف مصر وتونس وانقسام المجتمعات العربية، كما أن إضعاف الدول العربية يخدم أمن إسرائيل ويقلل قدرة الأمة على دعم فلسطين أو امتلاك قرار مستقل.

لكن تحميل الخارج المسؤولية الكاملة يعفي الداخل من أخطائه، فالاستبداد والفساد، وفشل النخب، وانقسام المعارضة، وتغليب المصالح التنظيمية والشخصية، وغياب المشروع الوطني، كلها أسباب داخلية فتحت أبواب التدخل الخارجي.

الخارج يستثمر نقاط الضعف، لكنه لم يصنع وحده كل هذا العجز.

الحلقة التي يجب كسرها

المشهد الأخطر الذي قد يتكرر هو:

غضب شعبي، ثم سقوط رأس النظام، ثم فراغ سياسي، ثم تدخل مؤسسات القوة، ثم دعم خارجي باسم الاستقرار، ثم إنتاج نظام جديد بملامح قديمة، ثم عودة القمع والانفجار.

ولا تُكسر هذه الحلقة بانتظار السقوط، وإنما بتجهيز البديل قبل وقوعه.

والبديل ليس اسم رئيس أو زعيم منقذ، بل ميثاق وطني، وقيادة جماعية، وحكومة كفاءات، وبرنامج اقتصادي عاجل، واتفاق على حماية مؤسسات الدولة، وعدالة انتقالية لا تتحول إلى انتقام، وجدول واضح للدستور والانتخابات وتداول السلطة.

السؤال إذن ليس: متى يسقط قيس سعيّد أو السيسي؟

السؤال الحقيقي هو: هل بنت المعارضة مشروعًا قادرًا على إدارة اليوم التالي، أم ستترك الجيش والقوى الخارجية يختاران البديل مرة أخرى؟

فالبديل الذي لا تصنعه القوى الوطنية قبل الفراغ، ستصنعه موازين القوة بعدها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى