أخبار العالم

الجنائية الدولية تعزل مدعيها العام كريم خان بأغلبية 82 دولة

صوتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية بأغلبية كبيرة لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان من منصبه، على خلفية اتهامات بسوء السلوك، في خطوة غير مسبوقة بتاريخ المحكمة منذ تأسيسها عام 2002.

وأيدت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوًا قرار عزل خان، متجاوزة الأغلبية المطلقة المطلوبة، والمقدرة بـ63 صوتًا، خلال اقتراع سري عُقد في جلسة خاصة بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، الجمعة 24 يوليو 2026. وصوتت 13 دولة ضد القرار، فيما امتنعت دول أخرى عن التصويت. (Reuters)

وأكدت بايفي كاوكورانتا، رئيسة جمعية الدول الأطراف في المحكمة، أن الأغلبية صوتت لصالح اعتبار المسؤول المنتخب قد ارتكب «سوء سلوك جسيمًا وإخلالًا خطيرًا بالواجب»، وعزله من منصبه.

ويدخل قرار عزل خان حيز التنفيذ فورًا، فيما تبدأ إجراءات اختيار مدع عام جديد للمحكمة، وسط توقعات بأن تستغرق عملية الانتخاب عدة أشهر، مع استمرار نائبي المدعي العام في إدارة أعمال المكتب خلال المرحلة الانتقالية. (Reuters)

وتعد هذه المرة الأولى خلال تاريخ المحكمة الجنائية الدولية الممتد لأكثر من عقدين التي تصوت فيها الدول الأعضاء على عزل مدع عام قائم من منصبه.

محامي خان ينتقد إجراءات العزل

أعرب طيب علي، المحامي الرئيسي لكريم خان، عن أسفه لقرار جمعية الدول الأطراف، معتبرًا أن التصويت تجاهل المخاوف المتعلقة بضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، والتي أثارتها منظمات حقوقية وخبراء قانونيون.

وقال علي إن القرار، من وجهة نظر فريق الدفاع، لا يستند إلى نتيجة قانونية معللة تثبت أن خان ارتكب سوء سلوك أو أخل بواجباته بصفته مدعيًا عامًا.

وأضاف أن خان عُزل عبر مسار لم تتح له فيه فرصة عادلة لعرض دفاعه والاستماع إليه، مشيرًا إلى أن فريقه سيطعن في قانونية القرار وعدالة الإجراءات من خلال الآليات القانونية المتاحة. (Reuters)

وكان خان قد أكد في وقت سابق أنه سيلجأ، حال عزله، إلى المحكمة الإدارية التابعة لمنظمة العمل الدولية، وهي الجهة المختصة بالنظر في الطعون المتعلقة بالقرارات الوظيفية لموظفي المحكمة الجنائية الدولية.

اتهامات بسلوك غير رضائي

ركزت إجراءات التصويت على اتهامات تتعلق بوجود علاقة جنسية بين خان وموظفة كانت تعمل تحت إدارته في مكتب الادعاء، في ظل ما وصفه مكتب جمعية الدول الأطراف باختلال واضح في ميزان السلطة بين الطرفين.

وخلص المكتب التنفيذي لجمعية الدول الأطراف إلى أن الأدلة المتاحة تثبت، وفق تقييمه، أن خان انخرط في علاقة جنسية مع الموظفة، معتبرًا أن علاقة من هذا النوع لا يمكن وصفها بالملائمة في ظل التفاوت الوظيفي والسلطوي.

في المقابل، نفى خان إقامة أي علاقة جنسية مع الموظفة، كما نفى ارتكاب أي سلوك غير رضائي أو إساءة استخدام منصبه.

وتمسكت المشتكية، خلال أول ظهور علني لها مرتبط بالقضية، باتهاماتها المتعلقة بتعرضها لسلوك جنسي غير رضائي، فيما شدد دفاع خان على أنه لم يصدر حكم قضائي نهائي يثبت الاتهامات المنسوبة إليه. (Reuters)

وتضمنت الشكوى اتهامات بوقوع انتهاكات مزعومة في مناسبات عدة، بينها وقائع خلال مهمات خارجية وفي مدينة لاهاي الهولندية، حيث يوجد مقر المحكمة الجنائية الدولية.

وبحسب الشكوى، بدأت الوقائع المزعومة في مارس 2023، واستمرت نحو عام، قبل أن يواجه أعضاء من فريق خان المدعي العام بالاتهامات للمرة الأولى في 2 مايو 2024.

تحقيقات داخلية وخارجية

فتحت آلية الرقابة الداخلية التابعة للمحكمة تحقيقًا أوليًا في الاتهامات، لكنه أُغلق بعد فترة قصيرة، عقب رفض المشتكية التعاون مع التحقيق في ذلك الوقت.

وعادت الاتهامات إلى الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير إعلامية خلال أكتوبر 2024، قبل فتح تحقيق داخلي ثانٍ في نوفمبر من العام نفسه.

وأُغلق التحقيق الثاني أيضًا بعد رفض المشتكية التعاون، ما دفع جمعية الدول الأطراف إلى تكليف مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة بإجراء تحقيق خارجي في الواقعة.

وعمل محققون تابعون للأمم المتحدة على جمع الأدلة وتقييمها، قبل تقديم تقرير قيل إنه يتألف من نحو 150 صفحة، مرفقًا بآلاف الصفحات من الوثائق والأدلة، إلى لجنة من القضاة كلفت بتقديم رأي قانوني بشأن القضية.

وخلصت لجنة القضاة، بحسب ما ورد في وثائق القضية، إلى أن الوقائع المعروضة عليها لا تثبت بالإجماع وقوع سوء سلوك أو إخلال بالواجب وفق الإطار القانوني ذي الصلة.

لكن غالبية أعضاء مكتب جمعية الدول الأطراف قرروا لاحقًا عدم الأخذ بنتيجة لجنة القضاة، ورأوا أن الأدلة تشير إلى احتمال ارتكاب خان سوء سلوك جسيمًا، قبل تعليق مهامه وإحالة مسألة عزله إلى جمعية الدول الأطراف للتصويت.

وأثار اختلاف التقييم بين لجنة القضاة ومكتب الجمعية انتقادات ومخاوف من تسييس المسار التأديبي، خاصة في ظل الضغوط السياسية والعقوبات التي تتعرض لها المحكمة وعدد من مسؤوليها.

منظمات حقوقية تنتقد مسار التصويت

وقعت أكثر من 180 منظمة حقوقية ومنظمة مجتمع مدني فلسطينية بيانًا انتقدت فيه طريقة التعامل مع القضية، معتبرة أن المسار التأديبي تحول إلى تصويت سياسي يخضع لمصالح ومواقف الدول الأعضاء.

وقال محامي خان إن قرار العزل يحمل تداعيات تتجاوز قضية الاتهامات نفسها، محذرًا من أن استقلال المحكمة الجنائية الدولية يعتمد على حماية مسؤوليها المنتخبين من العزل عبر إجراءات سياسية أو غير منصفة أو متعارضة مع نتائج هيئات قضائية مستقلة.

وأضاف أن مدعي المحكمة أُقيل من خلال تصويت تنفيذي في وقت كان يخضع فيه لعقوبات أميركية، بينما تتعرض المحكمة لضغوط سياسية متزايدة بسبب تحقيقاتها ومذكرات التوقيف التي أصدرتها.

مذكرات التوقيف تظل سارية

جاء المسار التأديبي ضد خان بعد أكثر من عامين من تحركه لطلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، إلى جانب ثلاثة من قادة حركة حماس، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب على قطاع غزة.

ولا يؤدي عزل خان إلى إلغاء مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة، إذ تظل سارية ما لم يقرر قضاة المحكمة سحبها أو إلغاءها وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. (Reuters)

وكانت تقارير قد ربطت بين توقيت طلب مذكرات التوقيف وظهور الاتهامات ضد خان، إلا أن تحقيقات أخرى أشارت إلى أن قرار التقدم بطلب المذكرات اتُخذ قبل أسابيع من ظهور الاتهامات بصورة علنية.

ورحب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بعزل خان، معتبرًا أن القرار تأخر، ودعا المحكمة إلى إسقاط مذكرات التوقيف بحق المسؤولين الإسرائيليين.

وادعى ساعر أن مذكرات التوقيف صدرت لصرف الانتباه عن اتهامات سوء السلوك الموجهة إلى خان، وهي رواية رفضها مؤيدو تحقيقات المحكمة، مؤكدين ضرورة الفصل بين القضية التأديبية والملفات القضائية المنظورة.

ضغوط وعقوبات أميركية

جاء التصويت في وقت تتعرض فيه المحكمة الجنائية الدولية لضغوط أميركية متصاعدة، إذ أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن واشنطن ستواصل حملتها ضد المحكمة، موجهًا انتقادات حادة إلى مسؤوليها.

وتفرض الولايات المتحدة عقوبات على عدد من قضاة المحكمة ومدعيها، بينهم كريم خان، بسبب التحقيقات المرتبطة بالحرب في غزة وتحقيقات سابقة بشأن القوات الأميركية في أفغانستان.

ورحبت واشنطن بعزل خان، لكنها أكدت أن القرار لن يغير موقفها الرافض للمحكمة أو خططها لمواصلة الضغط عليها. (Reuters)

ثالث مدع عام للمحكمة

انتُخب كريم خان، وهو محام بريطاني، مدعيًا عامًا للمحكمة الجنائية الدولية في فبراير 2021، ليصبح ثالث شخص يتولى المنصب منذ تأسيس المحكمة.

وشملت الملفات التي عمل عليها مكتب خان طلبات إصدار مذكرات توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، وقادة في المجلس العسكري بميانمار، ومسؤولين في حركة طالبان بأفغانستان، إلى جانب مسؤولين إسرائيليين وقادة في حركة حماس.

وأكد مكتب الادعاء أن العمل في القضايا المفتوحة والتحقيقات الجارية سيستمر تحت قيادة نائبي المدعي العام إلى حين انتخاب خلف جديد لخان. (AP News)

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى