د. أيمن نور يكتب: المتوسط… الجغرافيا والمصير المشترك . مصر الممكنة 2030 (56) مصر ومحيطها الإقليمي… (1 من 10)

قبل أيام قليلة، كنت أجلس في باريس داخل قاعة ضمت سياسيين وبرلمانيين ووزراء سابقين ومفكرين من ضفتي المتوسط. كان الحديث يدور حول الهجرة والطاقة والأمن والمناخ والعلاقة العربية الأوروبية، بينما كانت مبادرة «المصير المشترك 2035» تفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل المنطقة خلال العقد القادم. لم يكن أكثر ما لفت انتباهي ما قيل عن الهجرة أو الطاقة أو الأمن، بل ذلك الإدراك المتزايد لدى كثير من الأوروبيين بأن البحر الأبيض المتوسط يعود مجددًا إلى قلب السياسة الدولية. أما السؤال الذي ظل يلاحقني طوال تلك النقاشات فكان سؤالًا مصريًا بامتياز: كيف أعاد الأوروبيون اكتشاف أهمية المتوسط قبل أن نعيد نحن اكتشافه؟ وكيف يمكن لدولة بحجم مصر وموقعها وتاريخها أن تكون حاضرة في قلب كل هذه الملفات، ثم لا تمتلك حتى الآن رؤية متكاملة لموقعها في المتوسط الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا؟
لم يكن هذا السؤال وليد تلك الجلسة وحدها. فقد عاد إليّ مرات كثيرة خلال السنوات الماضية، في لقاءات سياسية ودبلوماسية متعددة، وفي حوارات مع شخصيات أوروبية وعربية، وفي نقاشات حول مستقبل المنطقة. وفي كل مرة كنت أصل إلى النتيجة نفسها: مشكلة مصر ليست في الجغرافيا، بل في السياسة التي لم تنجح دائمًا في تحويل الجغرافيا إلى مشروع.
فالدول لا تصبح مؤثرة لأن الخرائط منحتها موقعًا جيدًا، بل لأنها تعرف كيف تحول هذا الموقع إلى دور. والجغرافيا ليست هدية دائمة، بل فرصة تحتاج إلى رؤية وإدارة وإرادة. وقد منحت الطبيعة مصر واحدة من أكثر المواقع الاستراتيجية ندرة في العالم، لكن الموقع وحده لا يصنع مكانة، تمامًا كما أن امتلاك الثروة لا يصنع التنمية ما لم توجد سياسة تعرف كيف توظفها.
لهذا يبدو البحر الأبيض المتوسط اليوم أكثر من مجرد مساحة مائية تفصل بين ثلاث قارات. إنه يعود ليصبح أحد المراكز الرئيسية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي. وعلى ضفتيه تتقاطع ملفات الطاقة والهجرة والتجارة والأمن والمناخ والغذاء والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. ومن يراقب ما يجري في بروكسل وباريس وروما ومدريد وبرلين يلاحظ بسهولة أن المتوسط لم يعد ملفًا ثانويًا في التفكير الأوروبي، بل عاد ليحتل موقعًا متقدمًا في أولويات القارة العجوز.
يكفي أن نتأمل حجم النقاش الدائر اليوم حول «ميثاق المتوسط» الجديد الذي تعمل عليه مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فبعد سنوات طويلة من التعامل مع جنوب المتوسط باعتباره مصدر أزمات أو منطقة جوار مضطربة، بدأت تتبلور قناعة أوروبية جديدة بأن أمن أوروبا وازدهارها لا يمكن فصلهما عن استقرار وتنمية جنوب المتوسط. صحيح أن المصالح الأوروبية حاضرة بقوة في هذا التحول، لكن المهم أن أوروبا نفسها بدأت تعيد النظر في كثير من المسلمات القديمة.
لعقود طويلة كان ملف الهجرة هو المدخل الأساسي الذي تنظر من خلاله أوروبا إلى المنطقة. أما اليوم فقد اتسعت الصورة. فالهجرة لم تعد مجرد قضية حدود، بل أصبحت مرتبطة بالتنمية والتعليم وفرص العمل والمناخ والطاقة والاستقرار السياسي. والاتحاد الأوروبي بات يتحدث عن شراكات طويلة الأجل تشمل الاقتصاد الأخضر والتدريب المهني والطاقة المتجددة والاستثمار في رأس المال البشري، لا الاكتفاء بالإجراءات الأمنية وحدها.
ومن هنا تأتي أهمية الشراكة الاستراتيجية التي جرى الإعلان عنها بين مصر والاتحاد الأوروبي. فبعيدًا عن التفاصيل المالية أو الاتفاقات الفنية، تعكس هذه الشراكة إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن مصر ليست دولة جوار عادية. إنها الدولة العربية الأكبر على المتوسط، وصاحبة الموقع الذي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، والدولة التي تمر عبرها واحدة من أهم الشرايين التجارية في العالم.
غير أن السؤال الذي يهمنا في «مصر الممكنة» ليس ماذا تريد أوروبا من مصر، بل ماذا تريد مصر من نفسها أولًا.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي لا تملك تصورًا واضحًا لمصالحها تتحول تدريجيًا إلى موضوع في سياسات الآخرين بدلًا من أن تكون شريكًا في صياغتها. والدولة التي تدخل أي شراكة بلا رؤية وطنية مستقلة تجد نفسها بعد سنوات تتحدث بلغة الآخرين أكثر مما تتحدث بلغتها الخاصة.
ولعل هذه النقطة بالتحديد كانت أحد أوجه القصور الرئيسية في إدارة كثير من ملفات السياسة الخارجية المصرية خلال العقود الأخيرة. فقد نجحت الدبلوماسية المصرية في الحفاظ على شبكة واسعة من العلاقات، لكنها لم تنجح دائمًا في ربط هذه العلاقات بمشروع تنموي وسياسي متكامل يترجم الموقع الاستثنائي لمصر إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.
ولذلك فإن الحديث عن المتوسط لا يجب أن يقتصر على العلاقات الخارجية بالمعنى التقليدي. فالقضية أعمق من ذلك بكثير. إنها ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الاقتصاد المصري، وبموقع مصر في خريطة الطاقة العالمية، وبقدرتها على جذب الاستثمارات، وبمستقبل مدنها الساحلية، وبأدوار جامعاتها ومراكزها البحثية، وبمكانة أجيالها الجديدة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
وإذا كان القرن العشرون قد ارتبط بالنفط، فإن العقود القادمة قد ترتبط بالطاقة الخضراء. وهنا تبرز مصر مرة أخرى بوصفها إحدى الدول القادرة على لعب دور محوري في هذا التحول. فالموقع الجغرافي، وساعات السطوع الشمسي، وإمكانات الرياح، والبنية التحتية المتنامية، كلها عوامل تجعل مصر مرشحة لأن تكون مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر.
لكن الفرصة لا تكفي وحدها.
فالفرص تضيع حين تغيب الرؤية.
وقد علمتنا تجارب كثيرة أن الثروات الطبيعية قد تتحول إلى لعنة إذا لم ترتبط بمشروع وطني واضح. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع مصر إنتاج الطاقة الخضراء؟ بل: كيف يمكن تحويل الطاقة الخضراء إلى صناعة مصرية وفرص عمل مصرية وقيمة مضافة مصرية؟
والأمر نفسه ينطبق على ملف الهجرة. فمن السهل أن ننظر إلى الهجرة باعتبارها مشكلة أمنية أو إنسانية، لكن النظرة الأعمق تكشف أنها في جوهرها مرآة تعكس أوضاع التنمية والعدالة والاقتصاد والتعليم. فالشباب لا يهاجرون لأن البحر يجذبهم، بل لأن المستقبل يبتعد عنهم. ولهذا فإن أفضل سياسة للهجرة ليست إقامة المزيد من الحواجز، بل بناء المزيد من الفرص.
وما يلفت الانتباه أن كثيرًا من الأوراق البحثية الأوروبية الحديثة بدأت تصل إلى هذه النتيجة نفسها. فالتقارير التي كانت تركز قبل سنوات على مكافحة الهجرة غير النظامية أصبحت تتحدث اليوم عن معالجة أسبابها، وعن أهمية الاستثمار في التعليم والمهارات والتنمية المحلية في دول الجنوب.
وهنا يظهر مجددًا مفهوم «المصير المشترك». فالهجرة التي تبدأ في قرية فقيرة في الجنوب قد تنتهي بأزمة سياسية في الشمال. وأزمة الطاقة في أوروبا قد تتحول إلى فرصة اقتصادية في مصر. والتغير المناخي الذي يهدد دلتا النيل يهدد أيضًا مدنًا أوروبية كبرى على المتوسط. ولم يعد ممكنًا لأي دولة أن تتصرف وكأنها معزولة عن محيطها.
لهذا لم تكن مبادرة «المصير المشترك 2035» مجرد لقاء سياسي أو فكري عابر. فجوهر الفكرة يقوم على الاعتراف بأن الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط أصبحتا تواجهان مجموعة متشابكة من التحديات والمصالح التي تتجاوز الحدود التقليدية. وليس المقصود هنا إلغاء الخصوصيات الوطنية أو الانتقاص من السيادة، بل بناء شراكات أكثر توازنًا وعدالة ووعيًا بالمصالح المتبادلة.
وربما لهذا السبب واجهت الفكرة منذ إعلانها قدرًا من سوء الفهم. فهناك من لا يزال ينظر إلى أي حوار عابر للحدود باعتباره شبهة، وإلى أي تعاون فكري أو سياسي باعتباره تنازلًا. بينما الحقيقة أن العالم كله يتجه في الاتجاه المعاكس. فالدبلوماسية الشعبية لم تعد ترفًا، بل أصبحت أحد الأدوات الأساسية التي تستخدمها الدول الحديثة لتعزيز نفوذها ومصالحها وقوتها الناعمة.
وخلال ما يقرب من نصف قرن من العمل السياسي والبرلماني والعام، أتيحت لي فرص عديدة للحوار مع رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء وبرلمانيين ومفكرين من قارات مختلفة. وفي أكثر من مناسبة اكتشفت أن كثيرًا من القضايا التي نظنها محلية خالصة أصبحت جزءًا من نقاش عالمي أوسع. كما اكتشفت أن قوة أي دولة لا تقاس فقط بما تملكه من أدوات رسمية، بل أيضًا بما تملكه من جسور إنسانية وفكرية وثقافية مع العالم.
ومن هنا فإن مصر الممكنة لا تحتاج فقط إلى سياسة خارجية نشطة، بل إلى رؤية خارجية جديدة. رؤية تربط المتوسط بأفريقيا، وأفريقيا بالعالم العربي، والعالم العربي بأوروبا، وتربط كل ذلك بالتنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الحديث.
فالمتوسط بالنسبة لمصر ليس اتجاهًا جغرافيًا على الخريطة. إنه أحد مفاتيح المستقبل.
وإذا كان الأوروبيون قد بدأوا يعيدون اكتشاف المتوسط بوصفه مجالًا للمصالح المشتركة، فإن التحدي الحقيقي أمام مصر هو أن تعيد اكتشاف نفسها أولًا.
أن تعيد اكتشاف موقعها.
ودورها.
وفرصتها.
وأن تتحول من دولة تمتلك جغرافيا استثنائية…
إلى دولة تمتلك مشروعًا يليق بهذه الجغرافيا.
تلك هي نقطة البداية.
ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ الحديث عن مصر الممكنة في المتوسط الجديد.
حديث لا يتعلق ببحر يقع شمال البلاد…
بل بمستقبل أمة كاملة تبحث عن مكانها في عالم يعاد رسم خرائطه من جديد.







