
مما يثير الانتباه في زمننا أن الثورة الرقمية، التي قُدِّمت بوصفها فتحاً عظيماً لتحرير المعرفة وتوسيع دائرة النقاش العام، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى فضاء يعيد إنتاج أكثر أشكال الجهل رسوخاً. فوسائل التواصل الاجتماعي التي كان يُفترض أن تتيح للإنسان الوصول إلى مصادر متنوعة من المعلومات والأفكار، أصبحت أيضاً سوقاً مفتوحة للشائعات والأكاذيب ونظريات المؤامرة والأحكام المطلقة. وفي قلب هذه الفوضى يبرز حضور بعض رجال الدين الذين وجدوا في هذه المنصات منبراً مثالياً لبثّ خطابات متشددة أو تبسيطية، ولتقديم أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحقيقة المطلقة في عالم معقد ومتغير.
لقد كان رجل الدين في المجتمعات التقليدية يخضع، بدرجة أو بأخرى، لرقابة بيئته العلمية والاجتماعية. فالكلمة التي يلقيها في مسجد أو مجلس كانت تمر عبر مؤسسات تعليمية أو مرجعيات معرفية، أو على الأقل عبر جمهور محدود قادر على مناقشته أو مساءلته. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان أي صاحب حساب على إحدى المنصات الرقمية أن يخاطب مئات الآلاف أو الملايين من الناس، وأن يقدّم آراءه بوصفها حقائق نهائية لا تقبل النقاش. وهكذا لم تعد المشكلة في انتشار الخطاب الديني فحسب، بل في طبيعة هذا الخطاب وسرعة انتشاره وقدرته على التأثير.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بتغذية الجهل، بل تعمل على إعادة إنتاجه بصورة مستمرة. فبدلاً من تشجيع التفكير النقدي، يجري تكريس ثقافة الطاعة الفكرية. وبدلاً من دفع الأفراد إلى البحث والسؤال والمراجعة، يُطلب منهم التسليم والتصديق والتكرار. وهكذا تتحول المنصات الرقمية إلى ما يشبه غرف الصدى المغلقة، حيث يسمع الناس الأفكار نفسها مراراً حتى تبدو لهم حقائق بديهية.
في هذا السياق تكتسب أفكار عبد الرحمن الكواكبي (1855 ـ 1902) أهمية خاصة. فهو لم يرَ أن مهمة المصلحين تقتصر على الوعظ أو التلقين، بل اعتبر أن واجبهم الأول هو “رفع الضغط عن العقول” حتى تتمكن من النمو وتمزيق “غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف”. وما أشبه أوهام الأمس بأوهام اليوم. فالخوف الذي كان يُصنع عبر الخرافة والأسطورة يصنع اليوم عبر مقاطع الفيديو القصيرة والمنشورات المقتطعة والشعارات الجاهزة. والنتيجة واحدة: عقل مشلول، عاجز عن التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعرفة والإثارة.
لقد أدرك الكواكبي أن تحرير الإنسان يبدأ من تحرير وعيه. ولذلك دعا إلى خطاب يتناسب مع درجات الغفلة المختلفة، لأن الناس ليسوا سواء في مستوى الإدراك والانتباه. غير أن كثيراً من الخطابات الدينية الرائجة على وسائل التواصل تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فهي لا تسعى إلى إيقاظ العقل، بل إلى تنويمه، ولا تدعو إلى التساؤل، بل إلى الامتثال، ولا تشجع على الاجتهاد، بل على التكرار. بل إن بعض أصحاب هذه الخطابات ينظرون بعين الريبة إلى كل محاولة للتفكير المستقل، ويعتبرون النقد مؤامرة، والاختلاف انحرافاً، والتعددية ضعفاً في العقيدة.
والأمر لا يقتصر على المضمون، بل يمتد إلى الأسلوب. فوسائل التواصل تكافئ الخطاب الصادم أكثر مما تكافئ الخطاب العميق. والعبارة المستفزة تنتشر أسرع من الفكرة المتوازنة. لذلك أصبح بعض الدعاة يتنافسون على إنتاج محتوى يثير الغضب أو الخوف أو الدهشة، لأن هذه المشاعر هي الوقود الحقيقي لخوارزميات الانتشار. وهكذا يتحول الدين، في بعض الحالات، من مجال للتأمل الأخلاقي والروحي إلى مادة للاستهلاك السريع والمزايدات الشعبوية.
ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن كثيراً من هؤلاء يتحدثون باسم حماية المجتمع من الانحلال الفكري والأخلاقي، بينما يساهمون عملياً في إضعاف مناعته العقلية. فالمجتمع لا يصبح أقوى حين يُمنع أفراده من التفكير، بل حين يمتلكون القدرة على التمييز والحوار والنقد. والعقيدة لا تترسخ عبر الخوف من الأسئلة، بل عبر القدرة على مواجهتها. أما تحويل الدين إلى منظومة من الأجوبة الجاهزة لكل شيء، فهو لا ينتج مؤمنين أكثر وعياً، بل أتباعاً أكثر تبعية.
إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود رجال دين على وسائل التواصل، فلكل فرد الحق في التعبير عن آرائه والدفاع عن قناعاته. المشكلة تبدأ عندما يُستبدل النقاش بالتحريض، والمعرفة بالشعار، والتفكير بالتلقين. وعندما يصبح عدد المتابعين معياراً للحقيقة، لا قيمة الحجة أو قوة البرهان. عندها تدخل المجتمعات في دائرة خطيرة يتراجع فيها دور العقل لصالح الضجيج.
ومن هنا تبدو دعوة الكواكبي إلى إيقاظ العقول أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالمعركة الأساسية ليست بين الدين واللادين، ولا بين المحافظة والحداثة، بل بين العقل والخرافة، وبين المعرفة والجهل، وبين التفكير الحر والاستسلام للأفكار الجاهزة. وما لم تُبذل جهود جادة لترسيخ ثقافة النقد والتحقق والبحث، فإن فضاءات التواصل ستبقى مرتعاً للأكاذيب والتطرف والأفكار الخشبية.
لقد حذر الكواكبي من أن الشعوب التي تغرق طويلاً في الغفلة قد لا تستيقظ إلا على وقع الكوارث. واليوم، في عصر الشاشات الصغيرة والتأثيرات الكبرى، تبدو هذه الكلمات أقرب إلى التنبيه منها إلى الوصف التاريخي. فالمجتمعات التي تسمح للأوهام بأن تحكم عقولها، وللمتعصبين بأن يحتكروا الحديث باسم الحقيقة، إنما تمهد الطريق لصحوة متأخرة ومكلفة. أما الطريق الأقل كلفة والأكثر إنسانية، فهو ذاك الذي يبدأ بتحرير العقل من الخوف، ومنحه الحق في السؤال، وتعليمه أن الشك المنهجي فضيلة، وأن التفكير الحر ليس خطراً على الإيمان أو المجتمع، بل شرطاً ضرورياً لنهضتهما معاً.







