أخبار العالمملفات وتقارير

فيضانات نورستان تفاقم الأزمة الإنسانية وتخلف 20 قتيلا ومفقودين بأفغانستان

ضربت سيول جارفة ولاية نورستان شرقي أفغانستان خلال الأيام الماضية مما أدى إلى كارثة محققة حيث إن فيضانات نورستان تفاقم الأزمة الإنسانية وتزيد من معاناة مئات الأسر التي فقدت منازلها وممتلكاتها بالكامل. أسفرت هذه الكارثة الطبيعية عن تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبنية التحتية المتهالكة أصلا مما أجبر العديد من السكان على النزوح القسري نحو مناطق أكثر أمانا للنجاة بأرواحهم وأرواح أطفالهم وسط غياب شبه تام للخدمات الأساسية.

أسفرت الكارثة التي اجتاحت المنطقة في 20 يوليو الجاري عن أرقام مفزعة للضحايا حيث قتل نحو 20 شخصا وأصيب 80 آخرون بجروح متفاوتة الخطورة. تواجه فرق الإنقاذ صعوبات بالغة في البحث عن قرابة 100 شخص لا يزالون في عداد المفقودين بسبب وعورة التضاريس الجبلية وانقطاع الطرق الرئيسية المؤدية إلى القرى المنكوبة. تحولت مناطق واسعة كانت تتميز بطبيعتها الخلابة إلى أطلال مدمرة تغطيها الأوحال والأنقاض بعد ساعات قليلة من هطول الأمطار.

تعاني نورستان التي تشترك في حدودها الجبلية الوعرة مع باكستان من تهميش تاريخي وعزلة جغرافية خانقة أثرت سلبا على حياة سكانها. يفتقر السكان منذ سنوات طويلة إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة كالمؤسسات الصحية المجهزة والمدارس الممهدة وشبكات الطرق الصالحة للاستخدام. فرضت هذه الظروف القاسية قيودا اجتماعية واقتصادية مضاعفة على مختلف شرائح المجتمع وخاصة النساء والفتيات اللاتي يتحملن أعباء إضافية في رعاية الأسر وإدارة الشؤون المنزلية وسط هذه البيئة الصعبة.

انهيار الاقتصاد المحلي الزراعي

يعتمد الغالبية العظمى من سكان الولاية الأفغانية على قطاعي الزراعة وتربية المواشي كمصدر أساسي لتوفير الدخل اليومي وتلبية الاحتياجات المعيشية. تؤدي النساء دورا محوريا في هذا الاقتصاد المحلي المتواضع حيث يشاركن بكثافة في زراعة وحصاد وتجهيز المحاصيل الاستراتيجية التي تشتهر بها المنطقة مثل الجوز والفستق عالي الجودة. أدت السيول الأخيرة إلى جرف هذه الأراضي الزراعية الخصبة وإتلاف المحاصيل مما يهدد بانهيار كامل لمصادر الرزق وتعميق فجوة الفقر بالمنطقة.

تجسد مأساة عائلة فريما نورستاني واقعا مريرا تعيشه مئات العائلات التي فقدت المأوى والأمان في لحظات معدودة بعد انهيار منازلهم الطينية البسيطة. اضطرت هذه العائلات إلى اتخاذ قرارات قاسية بمغادرة أراضيها التي ترتبط بها ارتباطا وثيقا من أجل إنقاذ حياة الأطفال وكبار السن المسنين من الموت المحقق. يؤكد هذا النزوح الجماعي والمفاجئ أن فيضانات نورستان تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق في ظل انعدام أي خطط طوارئ مسبقة لحماية المدنيين.

تصدرت فئات النساء والأطفال وكبار السن قوائم الضحايا والمفقودين والمصابين جراء هذه الكارثة الطبيعية التي ضربت القرى في ساعات المساء المظلمة. باغتت المياه المندفعة بقوة السكان وهم في منازلهم مما حد من قدرتهم على الفرار أو إنقاذ ممتلكاتهم أو حتى تأمين كبار السن الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة. تسببت هذه العوامل المجتمعة في ارتفاع حصيلة الخسائر البشرية وجعلت عمليات الإجلاء والإنقاذ الذاتية شبه مستحيلة في ظل انقطاع السبل وانهيار البنية التحتية.

تتطلب الكارثة الراهنة تدخلا دوليا عاجلا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتوفير الإغاثة الطبية والغذائية للمتضررين الذين باتوا يفترشون العراء بلا مأوى. يدرك المتابعون للمشهد الأفغاني أن فيضانات نورستان تفاقم الأزمة الإنسانية في منطقة كانت تفتقر أصلا إلى الخدمات الأساسية قبل وقوع الكارثة مما يستوجب إطلاق مشاريع إعادة إعمار حقيقية. تحتاج الولاية إلى بناء مستشفيات ومدارس وطرق قادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية وتضمن وصول الخدمات لمستحقيها دون عوائق جغرافية.

مخاوف من التلاعب بالمساعدات

تثير تقارير ميدانية مخاوف جدية بشأن مسار المساعدات الإغاثية المخصصة للمناطق المنكوبة وسط اتهامات لسلطات طالبان بتحويل مسار الدعم بعيدا عن مستحقيه الفعليين. يحذر ناشطون محليون من تكرار سيناريوهات سابقة شهدت استحواذ السلطات على المواد الغذائية والطبية وتوزيعها وفق ولاءات سياسية متجاهلة العائلات الأكثر تضررا. تزيد هذه الممارسات الموثقة من قسوة الظروف المحيطة بالمنكوبين وتضعف ثقة المانحين الدوليين في آليات التوزيع الحالية مما يهدد بوقف شريان الحياة عن آلاف المحتاجين.

تشير المعطيات الحالية إلى أن التعافي من آثار هذا الدمار سيستغرق سنوات طويلة نظرا لحجم الخسائر المادية وتدمير الرقعة الزراعية المحدودة. يتضح للمراقبين يوما بعد يوم أن فيضانات نورستان تفاقم الأزمة الإنسانية وتكشف بوضوح عن هشاشة البنية التحتية وعجز الإدارة المحلية عن التعامل مع الكوارث الطارئة. يبقى السكان محاصرين بين مطرقة التغيرات المناخية العنيفة وسندان الإهمال الممنهج وسوء إدارة الموارد مما يجعل مستقبل هذه الولاية الجبلية غامضا ومحفوفا بالمخاطر.

تفرض هذه التطورات المأساوية ضرورة وضع آليات مراقبة صارمة لضمان وصول قوافل الإغاثة إلى القرى الجبلية المعزولة وتلبية احتياجات الأسر النازحة فورا. يمثل التحرك السريع طوق النجاة الوحيد لمنع تفشي الأمراض والأوبئة بين النازحين في التجمعات المؤقتة المفتقرة للمياه النظيفة. يثبت الواقع العملي بلا شك أن فيضانات نورستان تفاقم الأزمة الإنسانية وتتطلب استراتيجية شاملة تدمج بين الإغاثة الفورية والتنمية المستدامة لحماية الأرواح وتأمين مستقبل الأجيال القادمة في أفغانستان.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى