شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر وأوروبا… من سياسة الجوار إلى الشراكة الاستراتيجية مصر الممكنة 2030 (57) مصر ومحيطها الإقليمي… (2 من 10)


بينما كنت أغادر باريس في الرابع من يونيو 2026، بعد يوم طويل من اللقاءات السياسية والنقاشات الفكرية حول مستقبل العلاقات العربية الأوروبية، وجدت نفسي أستعيد مشهدين يفصل بينهما ما يقرب من سبعة عشر عاماً، لكنهما يرتبطان بخيط واحد لم ينقطع في ذهني أبداً.

المشهد الأول كان في اليوم نفسه تقريباً من عام 2009، حين كان لقائي الثاني والأخير بالرئيس باراك أوباما، بعد سنوات من لقائنا الأول وهو لا يزال عضواً بمجلس الشيوخ الأمريكي. يومها بدا العالم مختلفاً، وكانت المنطقة كلها تعيش على إيقاع وعود كبيرة بالتغيير، وكانت الديمقراطية والإصلاح السياسي والاندماج في العالم عناوين حاضرة بقوة في النقاش الدولي.

أما المشهد الثاني فكان قبل ذلك بقليل، عندما وقفت داخل البرلمان الأوروبي في بروكسل ألقي كلمة بدعوة كريمة من السيد إدوارد ماكميلان سكوت، نائب رئيس البرلمان الأوروبي آنذاك، وبالتعاون مع المجموعة البرلمانية الإيطالية التي كانت تقودها السيدة إيما بونينو، إحدى أبرز الشخصيات الأوروبية المدافعة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. يومها كان الأوروبيون يتحدثون عن مصر بوصفها دولة محورية في جوارهم الجنوبي، وعن الإصلاح السياسي باعتباره مدخلاً للاستقرار، وعن الشراكة باعتبارها طريقاً إلى مستقبل أفضل للطرفين.

وبعد سبعة عشر عاماً تقريباً، وبينما كنت أستمع في باريس إلى نقاشات جديدة حول الهجرة والطاقة والمناخ والأمن وميثاق المتوسط ومبادرة «المصير المشترك 2035»، أدركت أن كثيراً من المصطلحات تغيرت، وأن كثيراً من الملفات تبدلت، لكن السؤال ظل كما هو: هل تغيرت العلاقة المصرية الأوروبية بالفعل، أم تغيرت الأسماء والعناوين فقط؟

لا يمكن فهم العلاقة بين مصر وأوروبا من خلال اتفاقية أو قمة أو بيان مشترك. فهذه العلاقة أقدم وأعمق من ذلك بكثير. أوروبا لم تكن بالنسبة لمصر مجرد شريك تجاري، كما لم تكن مصر بالنسبة لأوروبا مجرد دولة جوار. لقد تشكلت أجزاء مهمة من تاريخ الطرفين عبر تفاعل طويل ومعقد، حمل في بعض مراحله التعاون، وفي مراحل أخرى الصراع، لكنه ظل دائماً أحد أكثر العلاقات تأثيراً في تشكيل المجال المتوسطي كله.

خلال العقود الأخيرة، حاول الاتحاد الأوروبي بناء إطار مؤسسي لعلاقاته بجواره الجنوبي. ظهرت «سياسة الجوار الأوروبية» بعد توسعات الاتحاد شرقاً، ثم جاءت مشاريع الشراكة المتوسطية والاتحاد من أجل المتوسط، وصولاً إلى الصيغ الأحدث التي تتحدث اليوم عن الشراكات الاستراتيجية الشاملة. وكانت مصر حاضرة في كل هذه المراحل بوصفها إحدى الدول الأكثر أهمية في المعادلة الأوروبية المتوسطية.

غير أن المشكلة الأساسية في كثير من هذه المبادرات أنها كانت تنظر أحياناً إلى المنطقة من زاوية أوروبية خالصة. أوروبا كانت تبحث عن الاستقرار، وعن الحد من الهجرة غير النظامية، وعن أسواق جديدة، وعن مصادر للطاقة، وعن حماية حدودها الجنوبية. أما شعوب الجنوب فكانت تبحث عن التنمية والكرامة والعدالة وفرص العمل والمشاركة السياسية. وبين الأولويات الأوروبية والأولويات العربية ظلت هناك فجوة لم تنجح كثير من المبادرات في ردمها.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً مهماً في التفكير الأوروبي. فالحرب في أوكرانيا، واضطرابات الطاقة العالمية، وتصاعد أزمات المناخ، وتزايد الضغوط المرتبطة بالهجرة، دفعت أوروبا إلى إعادة النظر في مفهوم الجوار نفسه. لم يعد الجنوب مجرد منطقة قريبة جغرافياً، بل أصبح جزءاً من الأمن الأوروبي، ومن مستقبل الاقتصاد الأوروبي، ومن معادلة الطاقة الأوروبية.

ولهذا بدأت أوروبا تتحدث بلغة مختلفة. لغة لا تقتصر على المساعدات ولا على برامج التعاون التقليدية، بل تتحدث عن استثمارات ضخمة، وعن شراكات طويلة الأجل، وعن ربط اقتصادي أعمق، وعن الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر وسلاسل الإمداد والاقتصاد الرقمي.

ومن هنا جاءت الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع مصر. وهي خطوة مهمة بلا شك، لكنها تطرح سؤالاً لا يقل أهمية عن الاتفاق نفسه: ماذا تريد مصر من هذه الشراكة؟

في تقديري، أن الخطر الأكبر لا يكمن في الشراكة ذاتها، بل في غياب الرؤية المصرية الواضحة تجاهها. فالدول الكبرى لا تُقاس بقدرتها على توقيع الاتفاقات فقط، بل بقدرتها على توظيف تلك الاتفاقات لخدمة مشروع وطني متكامل. وأي علاقة خارجية لا تصبح ذات قيمة حقيقية ما لم تنعكس على حياة المواطنين، وعلى الاقتصاد، وعلى التعليم، وعلى فرص العمل، وعلى المكانة الدولية للدولة.

لهذا، فإن تقييم العلاقات المصرية الأوروبية لا ينبغي أن ينطلق من حجم التمويل أو عدد الاتفاقيات أو كثافة الزيارات المتبادلة. المعيار الحقيقي هو: هل ساهمت هذه العلاقة في تعزيز قدرات الدولة المصرية؟ وهل ساعدت على نقل المعرفة والتكنولوجيا؟ وهل فتحت آفاقاً جديدة للشباب؟ وهل دعمت التحول نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة؟

هنا تبرز قضية الطاقة الخضراء بوصفها أحد أهم ملفات المستقبل. فمصر تملك فرصة حقيقية لتكون أحد المراكز الرئيسية للطاقة النظيفة في المتوسط. أوروبا تحتاج إلى مصادر مستقرة للطاقة وإلى شركاء موثوقين في التحول الأخضر. ومصر تملك الموقع والموارد والإمكانات البشرية التي تؤهلها للعب هذا الدور. لكن النجاح لن يتحقق بمجرد توقيع العقود، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه المشروعات إلى صناعة وطنية وفرص عمل حقيقية وقيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري.

الملف الثاني هو الهجرة، وقد يكون أكثر الملفات حساسية في العلاقة المصرية الأوروبية. فالهجرة بالنسبة لأوروبا قضية داخلية تكاد تحدد مصائر حكومات وانتخابات. أما بالنسبة لنا فهي في جوهرها قضية تنمية. ومن هنا تنشأ المفارقة. الأوروبيون يتحدثون عن إدارة الحدود، بينما يحتاج الجنوب إلى إدارة الفرص. الأوروبيون يخشون القوارب، بينما يخشى الشباب في الجنوب البطالة واليأس وانسداد الأفق.

ولهذا، فإن أي شراكة جادة يجب أن تنتقل من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب. لا يكفي أن نمنع الهجرة غير النظامية إذا كنا عاجزين عن خلق بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية. ولا يكفي أن تتدفق الأموال إذا لم ترتبط بإصلاحات تنموية وتعليمية ومؤسسية قادرة على صناعة الأمل.

أما الملف الثالث فهو ملف الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان. وهو الملف الذي كثيراً ما جرى التعامل معه في المنطقة باعتباره عبئاً سياسياً أو تدخلاً خارجياً. بينما الحقيقة أن التجارب الحديثة أثبتت أن التنمية والاستقرار والحريات ليست ملفات متعارضة كما يصورها البعض، بل عناصر متكاملة. فالدولة القوية ليست الدولة التي تغلق المجال العام، وإنما الدولة القادرة على إدارة الاختلاف داخله.

ومن المهم هنا التمييز بين استخدام هذه القضايا أحياناً لتحقيق مصالح سياسية ضيقة، وبين جوهرها الإنساني والقانوني. فحقوق الإنسان لم تعد شأناً محلياً خالصاً في عالم وقعت دوله على عشرات الاتفاقيات الدولية الملزمة. كما أن الدفاع عن الحقوق والحريات لا ينبغي أن يكون امتيازاً أوروبياً ولا احتكاراً غربياً، بل جزءاً من مشروعنا الوطني نحن أيضاً.

ومن القضايا التي أصبحت أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة قضية الدبلوماسية الشعبية. فالعلاقات الدولية لم تعد حكراً على الحكومات. الجامعات ومراكز الفكر والنقابات والأحزاب والمجتمع المدني والبرلمانات والشخصيات العامة باتت تلعب أدواراً متزايدة في بناء الجسور وصناعة التفاهمات وتخفيف التوترات. وهذا أحد الدروس المهمة التي تعلمتها عبر سنوات طويلة من العمل السياسي والعلاقات الدولية.

ومن هنا جاءت أهمية مبادرة «المصير المشترك 2035». فالمبادرة لم تنطلق من تصور رومانسي عن المتوسط، ولم تُبنَ على أوهام التعاون السهل، بل على إدراك واقعي بأن الضفتين أصبحتا تواجهان مجموعة من التحديات المشتركة التي لا يمكن لأي طرف التعامل معها بمفرده. الهجرة، والطاقة، والمناخ، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والتعليم، كلها ملفات تتجاوز الحدود التقليدية للدول.

وربما كان أهم ما في هذه المبادرة أنها تحاول نقل الحوار من مستوى الحكومات وحدها إلى مستوى المجتمعات أيضاً. فالعلاقات المستدامة لا تُبنى بالاتفاقات الرسمية فقط، بل تُبنى كذلك عبر المعرفة والثقافة والبحث العلمي والتواصل الإنساني.

ولعل السؤال الأهم الذي يجب أن يشغلنا في مصر ليس كيف تنظر أوروبا إلينا، بل كيف ننظر نحن إلى أنفسنا. هل نرى أنفسنا مجرد دولة جنوبية تتلقى الدعم والتمويل؟ أم دولة تمتلك من الموقع والتاريخ والإمكانات ما يؤهلها لأن تكون شريكاً حقيقياً في صياغة مستقبل المتوسط؟

إن مصر الممكنة لا تحتاج إلى سياسة خارجية أكثر نشاطاً فقط، بل تحتاج إلى سياسة خارجية أكثر ارتباطاً بمشروعها الوطني. تحتاج إلى دبلوماسية تخدم التنمية، وتنمية تعزز المكانة الدولية، ومكانة دولية تدعم الحريات والعدالة والاستقرار.

لهذا، فإن الشراكة الاستراتيجية مع أوروبا يجب ألا تُقرأ بوصفها نهاية الطريق، بل بدايته. فالأسئلة الكبرى ما تزال مطروحة. كيف نحول الموقع إلى دور؟ وكيف نحول الدور إلى نفوذ؟ وكيف نحول النفوذ إلى تنمية؟ وكيف نجعل من الجغرافيا مشروعاً للمستقبل لا مجرد وصف للمكان؟

تلك هي الأسئلة التي ستحدد شكل العلاقة المصرية الأوروبية خلال العقد القادم.

وهي في الوقت نفسه جزء من السؤال الأكبر الذي يحاول هذا الكتاب الإجابة عنه:

كيف يمكن لمصر أن تصبح الدولة التي تسمح لها إمكاناتها بأن تكونها؟

وكيف يمكن للجغرافيا أن تتحول من قدرٍ نعيش فوقه…

إلى مشروع نبنيه بأيدينا؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى