العالم العربي

ضريبة الثروة في تونس تثير جدلًا حول العدالة الجبائية ومخاطر تراجع الاستثمار

أثار توسيع نطاق «ضريبة الثروة» في تونس جدلًا واسعًا بين الخبراء والأوساط الاقتصادية، بعد بدء تطبيق تعديلات قانون المالية لعام 2026، التي شملت الأصول المالية والمنقولات الفاخرة إلى جانب العقارات، وسط تساؤلات بشأن قدرتها على تحقيق العدالة الجبائية وتأثيرها المحتمل في الاستثمار.

وأعلنت وزارة المالية التونسية، نهاية يونيو الماضي، بدء تطبيق التعديلات الجديدة، في خطوة تستهدف تعزيز الموارد العمومية والحد من التهرب الضريبي.

وبينما يرى مؤيدون أن توسيع نطاق الضريبة يعكس توجهًا نحو توزيع أكثر عدالة للأعباء الجبائية، يحذر خبراء من صعوبات تقييم الثروات، واتساع هامش اجتهاد الإدارة، وإمكانية انتقال الأموال إلى الاقتصاد الموازي أو البحث عن بيئات استثمارية أكثر جاذبية.

توسيع الضريبة لتشمل الأصول والمنقولات

قال الخبير في المحاسبات أحمد الجربي إن ضريبة الثروة أُقرت للمرة الأولى بموجب الفصل 23 من قانون المالية لعام 2023، وكانت تحمل اسم «الضريبة على الثروة العقارية»، وتنحصر في العقارات وحقوق الملكية العقارية.

وأوضح أن الإعفاءات شملت المسكن الرئيسي، والعقارات المخصصة لممارسة النشاط المهني، والأراضي الفلاحية المستغلة.

وأضاف أن الفصل 88 من قانون المالية لعام 2026 أدخل تعديلات واسعة على الضريبة، شملت تغيير اسمها إلى «الضريبة على الثروة»، وتوسيع نطاقها ليضم الأصول المالية، مثل الحصص في الشركات والسندات والحصص الاجتماعية.

كما شمل التعديل المنقولات الفاخرة، ومن بينها السيارات التي تزيد قوتها الجبائية على 12 حصانًا، إلى جانب اليخوت ومراكب الترفيه.

وبموجب التعديلات، تُفرض ضريبة بنسبة 1 بالمئة على صافي الثروة التي تتجاوز قيمتها 5 ملايين دينار تونسي، بما يعادل نحو 1.7 مليون دولار.

انتقادات لآليات التقييم والتطبيق

وأشار الجربي إلى أن المذكرة العامة رقم 13 لسنة 2026 وضعت تفاصيل إجراءات تطبيق الضريبة، لكنه انتقد ما وصفه بـ«اجتهادات إدارة الجباية المتعسفة على القانون في كثير من الأحيان».

وأوضح أن الفصل 88 نص على إعفاء الحسابات البنكية والبريدية، بينما أخضعت المذكرة الحسابات الجارية للضريبة، معتبرًا أن ذلك يمثل تعارضًا مع النص القانوني.

وحذر من غياب طريقة موضوعية وواضحة لتقدير قيمة العقارات والأصول، بما يفتح المجال أمام تفاوت التقديرات واتساع سلطة الإدارة في تحديد قيمة الثروة الخاضعة للضريبة.

كما أثار الجربي إشكالية دستورية تتعلق بما اعتبره إخضاعًا للثروة للضريبة مرتين، موضحًا أن العقارات قد تكون شُيدت بأموال معلومة المصدر سبق التصريح بها ودفع الضرائب المستحقة عنها.

تطبيق الضريبة هو التحدي الأكبر

من جانبه، وصف الخبير العدلي في المحاسبات المعتمد شكري الحيدري تفعيل ضريبة الثروة بأنه «خطوة جريئة»، لكنه أكد أنها تطرح أسئلة جوهرية تتجاوز النص القانوني.

وقال الحيدري إن توسيع الوعاء الضريبي ليشمل الأموال والأصول والمنقولات إلى جانب العقارات يعكس رغبة في تحقيق عدالة جبائية أكثر شمولًا.

ورجح، في المقابل، أن يظل أثر الضريبة في موارد الدولة محدودًا خلال المدى القريب، بسبب ضيق الوعاء الفعلي الذي يمكن إخضاعه للضريبة مقارنة بالوعاء النظري.

وربط الحيدري محدودية العائدات بحجم الاقتصاد الموازي في تونس، الذي قدره بنحو 40 بالمئة من الناتج الداخلي، معتبرًا أن جزءًا مهمًا من الثروات والمعاملات لا يظهر في المنظومة الرسمية.

وأكد أن نجاح الضريبة يتطلب إصلاحًا هيكليًا يشمل رقمنة المعاملات، وربط السجلات العقارية والبنكية والتجارية، وتطوير قدرة الإدارة على تحديد الثروات الحقيقية والتحقق منها.

وقال إن «الرهان الحقيقي ليس فرض الضريبة، بل القدرة على تطبيقها»، مشددًا على أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي لتحقيق النتائج المستهدفة.

مخاوف من انتقال الأموال إلى الاقتصاد الموازي

بدوره، دعا أستاذ الاقتصاد الجامعي رضا الشكندالي إلى الاستفادة من التجارب الدولية في تطبيق الضرائب على الثروة، محذرًا من تداعيات محتملة على مناخ الاستثمار.

وأشار إلى أن التجربة الفرنسية أظهرت أن فرض الضريبة على الثروة دفع بعض أصحاب الأموال إلى إعادة هيكلة أصولهم أو البحث عن ملاذات أخرى، عندما أصبحت البيئة الاستثمارية أقل جاذبية.

وأوضح أن الوضع في تونس يختلف نسبيًا، إلا أن الخطر لا يقتصر على احتمال خروج الأموال من البلاد، بل يمتد إلى إمكانية انتقالها من الاقتصاد الرسمي إلى الاقتصاد الموازي لتجنب الخضوع للضريبة.

وأكد الشكندالي أن الرقابة الجبائية وحدها لن تكون كافية، داعيًا إلى الجمع بين تطبيق الضريبة وتحسين مناخ الأعمال، وضمان استقرار التشريعات الجبائية، وبناء الثقة بين الدولة والمستثمرين.

كما حذر من النظر إلى ضريبة الثروة باعتبارها بديلًا كاملًا عن التمويل الخارجي، موضحًا أن هذا النوع من الضرائب لا يوفر العملات الأجنبية، فضلًا عن ارتفاع الكلفة الإدارية المرتبطة بحصر الثروات وتقييمها ومراقبة التصريحات المقدمة بشأنها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى