إرث ليندسي غراهام.. تحريض دائم على الحروب خلف قناع «السحر الشعبي»

من مستنقع العراق إلى حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، لم يصادف السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام تدخلًا عسكريًا أميركيًا لم يلقَ إعجابه أو يدفع باتجاه توسيعه.
ورغم أن التصور الأيديولوجي والدعائي للاستثنائية الأميركية، بوصف الولايات المتحدة قوة للخير في العالم، تلقى ضربات قاسية خلال السنوات الأخيرة، فإن هذه الفانتازيا لا تزال حية عندما يحين وقت تأبين الساسة الأميركيين، مهما بدت العبارات المستخدمة في رثائهم مبتذلة أو منفصلة عن نتائج سياساتهم.
صُوّر غراهام، الذي توفي في 11 يوليو 2026 عن عمر ناهز 71 عامًا، باعتباره شخصية ودودة وأبوية «كانت تنسجم مع الجميع»، وفق تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم العلاقة العدائية التي جمعت بينهما في السابق.
أما زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، فقال إن غراهام «كان يؤمن بقدرة أميركا على تحقيق الخير في العالم».
غير أن صورة «الرجل العادي» الودود تبدو بعيدة تمامًا عن الدور الذي لعبه غراهام بوصفه ترسًا فاعلًا في آلة المجمع الصناعي العسكري الأميركي، التي خلّفت البؤس والموت عبر حملات التدخل والتدمير والهيمنة في مناطق مختلفة من العالم.
وعكست ردود الفعل الصادرة عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي إجماعًا سياسيًا واسعًا يدفع باتجاه زيادة ميزانيات وزارة الدفاع، ودعم التدخلات العسكرية الأميركية، والمشاركة في عمليات تغيير الأنظمة، من دون ربط تلك السياسات بالآثار التي تتركها في حياة ملايين البشر الأقل قوة ونفوذًا.
ومن بين أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، كتب مارك وارنر أنه «مفطور القلب»، وأشاد آدم شيف بـ«حس الفكاهة» الذي امتلكه غراهام، فيما تحدثت إيمي كلوبوشار عن «حبه للعالم والفرح الخالص الذي أدخله إلى الحياة».
وقالت إليزابيث وارن: «رغم أننا اختلفنا في الكثير، كان دائمًا مستعدًا للتفاوض بروح الدعابة والذكاء».
لكن عددًا من المعلقين المحسوبين على اليسار لم يتعاملوا مع إرث غراهام بالقدر نفسه من الرضا والتسامح.
وكتب براندون فريدمان، وهو من قدامى المحاربين في حرب العراق، ردًا على منشور شيف: «أكثر ما سأتذكره عن السيناتور غراهام هو كيف أرسل أصدقائي ليموتوا في حرب غير ضرورية في العراق».
أما المستشار السياسي جاميسون فوزر، فسخر من لغة التأبين الأميركية، قائلًا: «أشعر بحزن عميق لوفاة صديقي العزيز الشيطان، أمير الأكاذيب. ورغم أننا كثيرًا ما اختلفنا حول مسائل مثل الدور المناسب للتعذيب في الحياة الآخرة، فإن أكثر ما سأتذكره هو كيف جعلت سرعة بديهته وطبيعته الودودة من جولات الغولف الأسبوعية طقسًا ثابتًا. سنفتقده».
مع إسرائيل حتى آخر يوم
حتى بعض المعلقين المحافظين والمحسوبين على حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجددًا» المعروفة اختصارًا بـ«ماغا» انقلبوا على غراهام خلال أيامه الأخيرة، خصوصًا بعد تصريحاته المتحمسة بشأن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وقال غراهام آنذاك: «أنا مع إسرائيل، وسأكون مع إسرائيل حتى آخر يوم لنا. سأعود إلى كارولاينا الجنوبية، وسأطلب منهم إرسال أبنائهم وبناتهم إلى الشرق الأوسط».
وردت مقدمة البرامج والبودكاست الأميركية ميغن كيلي عبر منصة «إكس»، قائلة: «المشكلة مع غراهام ليست فقط أنه مجنون قاتل، بل إن ترامب يحبه ويستمع إليه، وقناة ترامب المفضلة تطوف به في كل برنامج».
وعقب وفاة غراهام، نعاه كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في انعكاس واضح لمواقفه الداعمة بلا حدود لإسرائيل وأوكرانيا.
وكان غراهام من أشد المدافعين عن استمرار تسليح أوكرانيا، كما منح إسرائيل دعمًا غير مشروط تقريبًا، ووصل به الأمر إلى الاستشهاد بالقصف النووي الأميركي لمدينتي هيروشيما وناغازاكي لتبرير منح تل أبيب كل ما تحتاج إليه من أسلحة في حربها على غزة.
وكتب نتنياهو: «أنا وسارة نحزن مع الشعب الأميركي على فقدان صديقنا العزيز»، فيما وصف زيلينسكي غراهام بأنه «مدافع حقيقي عن الحرية والقيم التي تجعل عالمنا أكثر أمنًا».
لكن الإعلام الأميركي السائد نادرًا ما يطرح السؤال البديهي: أكثر أمنًا لمن؟
هل أصبح العالم أكثر أمنًا بالنسبة إلى الأفغان والعراقيين والليبيين والفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين، ممن وجدوا أنفسهم في الطرف المتلقي للتدخلات والاعتداءات العسكرية التي دافع عنها غراهام بلا كلل؟
وفي حياة من تحديدًا أدخلت تلك السياسات «الفرح» الذي تحدثت عنه كلوبوشار؟
هيروشيما وناغازاكي لتبرير حرب غزة
في ظهوره المثير للجدل ببرنامج «ميت ذا برس» في مايو 2024، وخلال نقاش بشأن العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، تحول غراهام إلى نسخة كاملة من شخصية «دكتور سترينجلاف»، بينما كان يقاطع مقدمة البرنامج كريستن ويلكر ويواصل اندفاعه في الدفاع عن إسرائيل.
وقال غراهام: «عندما واجهنا الدمار كأمة بعد بيرل هاربر، وكنا نقاتل الألمان واليابانيين، قررنا إنهاء الحرب بقصف هيروشيما وناغازاكي بأسلحة نووية. كان ذلك القرار صحيحًا».
وأضاف: «امنحوا إسرائيل القنابل التي تحتاج إليها لإنهاء الحرب التي لا تستطيع تحمل خسارتها، واعملوا معها لتقليل الضحايا».
وتابع: «لماذا كان من المقبول أن تلقي أميركا قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي لإنهاء حربها الوجودية؟ لماذا كان مقبولًا لنا أن نفعل ذلك؟ كنت أرى أنه مقبول. أما إسرائيل، فافعلي كل ما يتعين عليك فعله للبقاء دولة يهودية».
وأثارت هذه التصريحات انتقادات واسعة، لا سيما في اليابان، بعدما استخدم غراهام القصف النووي الذي أودى بحياة أعداد هائلة من المدنيين لتبرير مواصلة تزويد إسرائيل بالقنابل خلال حربها على قطاع غزة.
محرض دائم على الحرب
ظل غراهام طوال مسيرته في مجلس الشيوخ محرضًا على الحرب بلا اعتذار، ولم يصادف تقريبًا تدخلًا عسكريًا أميركيًا لم يرغب في دعمه أو توسيعه.
ومن العراق وأفغانستان إلى ليبيا وسوريا وأوكرانيا وغزة وإيران، تبنى غراهام خطابًا يقوم على استخدام القوة العسكرية وفرض العقوبات وتغيير الأنظمة، مقدمًا تلك السياسات بوصفها دفاعًا عن الأمن الأميركي والقيم الغربية.
وفي خضم قرع طبول الحرب وتغيير النظام في إيران، تباهى غراهام بالمكاسب الاقتصادية المحتملة، قائلًا: «سنجني مالًا طائلًا».
وفي مستنقع السياسة الأميركية، حيث تشكل أموال الحملات الانتخابية ودعم جماعات الضغط عنصرًا أساسيًا في اللعبة، امتلك غراهام قدرة كبيرة على جمع الأموال من كبار المتبرعين والشركات واللجان السياسية.
ورغم أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل كانت من بين أبرز داعميه، فقد حصل أيضًا على تمويل من متبرعين ولجان مرتبطة بعمالقة تصنيع السلاح، مثل بوينغ ولوكهيد مارتن ورايثيون ونورثروب غرومان، إلى جانب جهات أخرى تعمل في صناعة الحرب.
أما النتيجة النهائية لهذا الترابط بين السياسيين وشركات السلاح، والمتمثلة في تدمير البلدان ومقتل أعداد هائلة من البشر، فنادرًا ما تحظى بالمساحة نفسها في النقاش السياسي الأميركي.
تحالف غير مقدس
كتب الصحفي أحمد أسمر أن العلاقة بين تجار السلاح وحلفائهم داخل المؤسسات التشريعية غذّت الحروب التي قادتها الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين في العراق وسوريا وأوكرانيا، إلى جانب الدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية على غزة والحرب المستمرة على إيران.
وأضاف أن ليندسي غراهام مثّل النموذج الأبرز لهذا «التحالف غير المقدس»، بوصفه سياسيًا جعلت كلماته وتصويتاته أرباح صناعة الحرب وطموحات إسرائيل التوسعية تتقدم باستمرار على رفاه الشعب الأميركي، الذي يمول تلك السياسات من ضرائبه.
وقد ساعد هذا التحالف بين جماعات الضغط وصناعة السلاح وأعضاء الكونغرس في بناء نظام سياسي يقدم التدخلات العسكرية باعتبارها حلولًا طبيعية، فيما يتعامل مع الدبلوماسية وضبط النفس باعتبارهما مظهرًا من مظاهر الضعف.
ولم يكن غراهام مجرد عضو عابر في هذا النظام، بل كان واحدًا من أبرز المدافعين عنه وأكثرهم نشاطًا في تبرير عملياته العسكرية وتوسيع نطاقها.
الأهوال التي جسدها مستمرة
ترددت عقب وفاة غراهام تكهنات ونظريات مؤامرة بشأن ظروف وفاته، خصوصًا أنه كان قد عاد إلى الولايات المتحدة بعد زيارة إلى مصنع للطائرات المسيرة في أوكرانيا.
ولخص المعلق بيبي إسكوبار الموقف بقوله: «سواء كان جرذ الحرب قد أصيب بمرض مفاجئ أو تلقى بطاقة عمل صاروخية، فهذا غير مهم. المشكلة أن كل الأهوال التي جسدها لا تزال مستمرة».
وأحد تلك الأهوال هو النظام السياسي الذي كان غراهام جزءًا أصيلًا منه، وهو نظام يقوم على شبكة متداخلة من المصالح العسكرية والمالية والسياسية والإعلامية، ويستطيع إعادة إنتاج دعاة الحرب حتى بعد رحيل أبرز رموزه.
لقد رحل ليندسي غراهام، لكن المؤسسة التي سمحت له بتقديم الحرب بوصفها سياسة خارجية، والعقوبات بوصفها دبلوماسية، وتسليح الحلفاء بوصفه دفاعًا عن الحرية، لا تزال قائمة.
ورغم مؤشرات التراجع التي تواجهها الهيمنة الأميركية، فإن آلة الحرب التي جسدها غراهام لم تتوقف، كما لم ينتهِ الإجماع السياسي الذي منحها الأموال والشرعية والغطاء الأخلاقي طوال عقود.





