الدكتور أيمن نور يكتب: تبون وأوروبا وبولس ورسالة تونس

ليست كل عبارة يقولها رئيس دولة تُقرأ بحروفها فقط، ولا كل تصريح سياسي يُفهم من ظاهره وحده. فالكلمات، حين تخرج في لحظة إقليمية مضطربة، تصبح جزءًا من معادلة أكبر؛ يختلط فيها الأمن بالسياسة، والجغرافيا بالتاريخ، والوقائع بالمخاوف، والنوايا بالتأويلات.
لذلك استوقفتني تصريحات الرئيس الجزائري #عبدالمجيدتبون التي أكد فيها أن الجزائر لن تسمح بأي تهديد خارجي يمس أمن تونس، وأنها ستقف إلى جانب جارتها في مواجهة أي محاولة لإعادة الإرهاب إلى حدودها الشرقية. لم يكن سبب التوقف هو مضمون الحرص على أمن تونس، فهذا أمر لا يختلف حوله اثنان، وإنما لأن توقيت التصريح جاء بينما تعيش تونس واحدة من أكثر لحظاتها السياسية والاقتصادية حساسية منذ سنوات، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن استمرار الأوضاع الراهنة أصبح أكثر صعوبة من تغييرها.
ومن الإنصاف أن نعترف، منذ البداية، بأن للجزائر كل الحق في أن تقلق على تونس. فالبلدان لا يجمعهما مجرد شريط حدودي، وإنما تاريخ طويل، ومصالح متشابكة، وعمق إنساني وأمني لا يسمح لأي منهما بأن يتعامل مع ما يجري في الآخر باعتباره شأنًا بعيدًا. والجزائر، التي دفعت أثمانًا باهظة في حربها الطويلة مع الإرهاب، لا يمكن أن تنظر بخفة إلى أي احتمال قد يعيد الفوضى إلى جوارها المباشر.
كما أن أحدًا لا يستطيع تجاهل ما يدور في الإقليم من تنافس دولي وإقليمي على النفوذ، ولا ما تشهده منطقة الساحل وليبيا من هشاشة أمنية تجعل أي فراغ سياسي في الجوار مصدر قلق مشروع لكل دولة مسؤولة عن أمنها القومي. ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات الرئيس تبون مفهومة، بل ومنطقية.
لكن السياسة لا تكتفي بحسن النيات. فالكلمات، مهما كانت مقاصدها، تعيش أيضًا في فضاء التأويل. ولهذا رأى البعض في التصريح رسالة تضامن مع تونس ضد أي تهديد خارجي، بينما قرأه آخرون باعتباره دعما غير مباشر لاستمرار الأمر الواقع، أو تحذيرًا من أي تغيير قد تفرضه الإرادة الشعبية. وبين القراءتين مساحة واسعة لا يجوز إلغاؤها، ولا يليق بعاقل أن يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة فيها.
غير أن ما لا يجوز أيضًا هو القفز من التصريح إلى اتهام الجزائر بمعاداة التغيير. فالجزائر التي صنعت إحدى أعظم ثورات التحرر في القرن العشرين، وأعادت بناء دولتها وسط سنوات من الدم والنار، ليست دولة تخشى الحرية في ذاتها، وإنما تخشى الفوضى التي قد تتسلل تحت شعاراتها. وهذا فارق بالغ الأهمية ينبغي ألا يضيع وسط ضجيج الاستقطاب.
والحقيقة أن السؤال الأهم ليس: هل تخشى الجزائر التغيير في تونس؟ بل: أي تغيير تقصده الجزائر؟ وهل المقصود تغيير سلمي، دستوري، يقوده التونسيون ويحمون به دولتهم؟ أم انهيار مؤسسات، أو فراغ سياسي، أو انفلات أمني يفتح الأبواب أمام الإرهاب والتدخلات الخارجية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد طبيعة النقاش كله.
وفي تقديري، فإن التجربة التونسية نفسها هي أفضل رد على هذه المخاوف. فبعد خمسة عشر عامًا من الثورة، لم تعد تونس هي تونس عام 2011، ولم يعد التونسيون هم أنفسهم الذين دخلوا التجربة الأولى محملين بالأحلام وحدها. لقد تعلمت الدولة، وتعلمت الأحزاب، وتعلم المجتمع، وتعلم الجميع أن الوصول إلى السلطة ليس هو بناء الدولة، وأن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، وأن حسن النيات لا يكفي لإدارة الاقتصاد، وأن الاستقطاب قد يهزم الجميع، حتى من يظن نفسه منتصرًا.
لهذا السبب استوقفني، في التوقيت نفسه، المقال المهم الذي كتبه الصديق العزيز، النائب التونسي ورجل الدولة الحكيم #عماد_الدائمي. ولم يكن ما لفت انتباهي فيه أنه رد على المخاوف، بل الطريقة التي رد بها. لم يهاجم الجزائر، ولم يشكك في دوافعها، ولم يستدع لغة السيادة والانفعال، بل اختار لغة الدولة الواثقة بنفسها، فوجه رسالة طمأنة هادئة إلى الجزائر، وإلى الإقليم كله، مؤداها أن تونس الجديدة لا تبحث عن تصدير أزماتها، ولا عن إعادة إنتاج أخطاء الماضي، وإنما عن استعادة قدرتها على النجاح.
لقد نجح الدائمي في نقل النقاش من سؤال: «هل يتغير النظام؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف تستعيد الدولة قدرتها على العمل؟». وهو انتقال بالغ الذكاء؛ لأن الدول لا تقاس بطول بقاء حكوماتها، وإنما بقدرتها على تجديد نفسها دون أن تنهار، وعلى تصحيح أخطائها دون أن تفقد استقرارها.
أكثر ما أعجبني في هذه القراءة أنها لم تتعامل مع التجربة التونسية باعتبارها ملحمة بلا أخطاء، ولا باعتبارها فشلًا يستوجب الإنكار، بل باعتبارها مدرسة سياسية دفعت تونس ثمنها غاليًا، لكنها خرجت منها أكثر نضجًا، وأكثر إدراكًا لمعنى الدولة، وللفارق بين الثورة وإدارة الحكم، وبين الشرعية والكفاءة، وبين الحرية والفوضى.
وهذا، في تقديري، هو جوهر الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من ينظر إلى تونس من الخارج. فالتغيير الذي يتشكل في وعي التونسيين اليوم لا يشبه ذلك الذي عرفته المنطقة قبل خمسة عشر عامًا. إنه تغيير أكثر هدوءًا، وأكثر خبرة، وأكثر إدراكًا لتعقيدات الدولة الحديثة، وأقل قابلية لأن يقع في أخطاء البدايات.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل مصلحة الجزائر، أو أوروبا، أو أي طرف دولي، أن يستمر وضع يفقد كل يوم جزءًا من قدرته على البقاء؟ أم أن مصلحتهم جميعًا تكمن في انتقال هادئ، منظم، يقوده التونسيون أنفسهم، ويحفظ مؤسسات الدولة، ويعيد السياسة إلى مسارها الطبيعي؟
هنا بالضبط تبرز قيمة رسالة #عماد_الدائمي. فهو لا يطلب من الجوار أن يغض الطرف عن المخاطر، ولا من أوروبا أن تتخلى عن حساباتها، ولا من المجتمع الدولي أن يتعامل مع تونس باعتبارها جزيرة معزولة؛ بل يقول إن أفضل ضمانة لأمن الجميع ليست في تجميد الأزمة، وإنما في فتح طريق عقلاني للخروج منها.
فالأوضاع التي تفقد قدرتها على الاستمرار لا تصبح أكثر أمانًا بمجرد بقائها. قد تبدو ساكنة على السطح، لكنها تخزن تحتها من الغضب واليأس ما يجعل تأجيل الإصلاح أكثر كلفة من الإصلاح نفسه. والاستقرار الذي يقوم على انسداد السياسة، وتراجع الاقتصاد، واتساع الهوة بين الدولة والمجتمع، ليس استقرارًا، بل هدنة هشة مع أسباب الانفجار.
ومن الخطأ، في المقابل، أن يُختزل كل حديث عن التغيير في تونس باعتباره دعوة إلى الفوضى أو إعادة إنتاج سيناريوهات سابقة. فالتاريخ لا يعيد نفسه بالحروف ذاتها، والشعوب لا تدخل التجربة مرتين بالعقل نفسه. لقد تغيرت تونس، وتبدلت أسئلة مجتمعها، واتسعت مساحة المراجعة بين نخبها، وتراجعت جاذبية الصراعات الصفرية التي بددت جزءًا كبيرًا من طاقة المرحلة السابقة.
لم يعد التونسيون أسرى المعارك القديمة حول الهوية وحدها، ولا مفتونين بالشعارات التي تستهلك الدولة ولا تبنيها. تقدم اليوم سؤال أكثر إلحاحًا: من يستطيع أن يعيد للإدارة كفاءتها؟ من ينهض بالاقتصاد؟ من يفتح أبواب الأمل أمام الشباب؟ من يصون الحرية دون أن يبدد الدولة، ويحفظ الدولة دون أن يخنق الحرية؟
وهذه النقلة في الوعي هي التي تجعلني أقرأ مقال الدائمي باعتباره أكثر من دفاع عن حق التونسيين في التغيير. إنه، في جوهره، عرض سياسي متزن لمعادلة جديدة: ديمقراطية تتعلم من أخطائها، ودولة تستعيد قدرتها، ومعارضة لا تريد الثأر، ومجتمع أنهكته الأزمات ولم يعد مستعدًا لتكرار مغامرات الإقصاء أو الاستقطاب.
لهذا فإن الخوف من تونس المقبلة يبدو، في تقديري، أقل من الخوف على تونس الحالية. الدولة التي تعجز عن الاستجابة لمطالب مواطنيها، وتضيق فيها السياسة، وتتراجع فيها الثقة، لا تتحول بمرور الوقت إلى دولة أكثر استقرارًا، بل إلى دولة أقل قدرة على احتواء أزماتها. وكل يوم يمر دون إصلاح لا يشتري وقتًا، بل يراكم فاتورة يصعب سدادها.
ولأن الأمن الحقيقي لا يُبنى على الجدران وحدها، فإن أفضل حماية للجزائر من أي خطر آت من الشرق ليست في بقاء تونس معلقة بين أزمة وأخرى، بل في قيام دولة تونسية شرعية، قوية، ديمقراطية، قادرة على ضبط حدودها لأنها استطاعت أولًا أن تستعيد ثقة شعبها.
الجزائر، بما تملكه من تاريخ ووزن، لا تحتاج إلى أن تخشى إرادة التونسيين. وتونس، بما تملكه من وعي وتجربة، لن تكون تهديدًا لجيرانها. فالخطر لا يأتي من صندوق اقتراع حر، ولا من حوار وطني، ولا من انتقال دستوري؛ الخطر يأتي حين تُغلق السياسة، ويُدفع الغضب إلى الشارع بلا أفق، وتُترك الأزمات حتى تبحث بنفسها عن مخارج أكثر خشونة.
لذلك أقول للرئيس #عبدالمجيدتبون، بكل ما يفرضه الاحترام لمقام الجزائر من وضوح: حماية تونس لا تكون بحماية الجمود، بل بحماية التغيير العاقل. فبقاء الأوضاع على ما هي عليه ليس علاجًا لأسباب الأزمة، وإنما تأجيل لانفجارها، وربما مضاعفة لكلفته على تونس والجزائر معًا. وما تحتاجه تونس من أشقائها ليس وصاية على قرارها، بل سندًا يحول دون انزلاق انتقالها إلى العنف أو الفوضى أو التدخل الخارجي.
وأقول للإقليم كله، ولأوروبا على وجه الخصوص: محاولات الترهيب من كل تغيير، سواء هبطت من عاصمة أوروبية أو هبت من إحدى دول المنطقة، لن تقنع التونسيين بأن واقعًا يضيق بهم يمكن أن يستمر خدمة لمخاوف أو مطامع من خارج بلادهم. قد تكون المخاوف من الانتقال مشروعة، لكن مخاطر الانتقال المدروس تظل أقل بكثير من مخاطر انفجار يأتي بعد أن تتبدد فرص الاحتواء.
أوروبا التي تنظر إلى تونس من زاوية الهجرة غير النظامية وأمن المتوسط مطالبة بأن ترى الصورة كاملة. فالشاب الذي يجد في بلده أفقًا للعمل والكرامة لا يركب قارب الموت، والدولة التي تستعيد شرعيتها لا تتحول شواطئها إلى منافذ للهروب، والمجتمع الذي يثق في مستقبله لا يصبح بيئة خصبة لليأس أو التطرف.
أما الرهان على إبقاء تونس في حالة عجز، بحجة الخوف من المجهول، فهو مقامرة لا تخص التونسيين وحدهم. فأي انفجار اجتماعي أو انهيار اقتصادي أو فراغ سياسي لن يتوقف عند حدود البلاد، بل سيمتد بحكم الجغرافيا إلى الضفة الشمالية للمتوسط، وإلى أسواق العمل، ومسارات الهجرة، وشبكات التهريب، ومعادلات الأمن الإقليمي.
من هنا فإن دعم انتقال تونسي سلمي ليس منحة تقدمها أوروبا، بل استثمار مباشر في أمنها. وليس المطلوب أن تختار بين الاستبداد والفوضى، كما فعلت مرارًا في منطقتنا، بل أن تساند الطريق الأصعب والأكثر جدوى: دولة ديمقراطية قوية، ومؤسسات قادرة، واقتصاد يفتح باب الأمل، وسياسة تعيد الخلاف إلى البرلمان بدل أن تدفعه إلى الشوارع أو السجون.
وهذه هي أيضًا الرسالة الأعمق في مقال #عماد_الدائمي. فالتغيير الذي يريده التونسيون ليس مشروعًا لتصدير الثورة، ولا منصة لمخاصمة الجوار، ولا دعوة إلى هدم الدولة. إنه محاولة لإنقاذها من التآكل، ورد الاعتبار إلى مؤسساتها، وإعادة التوازن بين الحرية والقدرة، وبين الشرعية والإنجاز.
وإذا كان من حق الآخرين أن يسألوا عن ضمانات هذا التغيير، فمن حق التونسيين أن يسألوا بدورهم: ما ضمانات بقاء الأوضاع الراهنة؟ من يملك أن يطمئنهم إلى أن استمرار الأزمة لن يحولها إلى كارثة؟ ومن يستطيع أن يثبت أن الخوف من الانتقال أقل كلفة من الخوف من الانسداد؟
الجواب، في تقديري، واضح: لا أحد يملك هذه الضمانات. ولذلك يصبح الانتقال العاقل، لا بقاء الأزمة، هو الرهان الأكثر مسؤولية. انتقال لا ينتقم، ولا يقصي، ولا يهدم مؤسسات الدولة، ولا يستدعي الخارج، لكنه في الوقت نفسه لا يعيد إنتاج العجز تحت اسم الاستقرار، ولا يطلب من التونسيين أن يصبروا بلا نهاية على واقع يفقد أسباب بقائه.
تبقى الرسالة الثالثة، وربما كانت الأبعد أثرًا، أوجهها إلى السيد مسعد بولس، المبعوث الأمريكي المعني بشؤون شمال إفريقيا، والذي تشير المعطيات إلى أنه يتابع عن كثب تطورات المشهد التونسي.
إن تونس لا تحتاج إلى من يقرر نيابة عنها، ولا إلى من يختار لها حكامها، لكنها تحتاج إلى أن تُقرأ كما هي، لا كما كانت قبل خمسة عشر عامًا، ولا كما يريد البعض أن يراها. إنها ليست دولة بلا مؤسسات، ولا مجتمعًا بلا نخب، ولا ساحة مفتوحة للفوضى. إنها دولة راكمت، رغم كل عثراتها، خبرة سياسية ودستورية ومدنية تؤهلها لإدارة انتقال جديد أكثر نضجًا واتزانًا.
لقد أثبتت التجربة التونسية أن الديمقراطية قد تتعثر، لكنها لا تموت، وأن الشعوب قد تراجع خياراتها، لكنها لا تتخلى عن حقها في أن تكون صاحبة القرار. وما تحتاجه تونس اليوم ليس انحيازًا إلى سلطة أو إلى معارضة، بل انحيازًا إلى الدولة، وإلى المؤسسات، وإلى حق التونسيين في أن يصنعوا مستقبلهم بأنفسهم، عبر انتقال سلمي ومسؤول، يعيد الاعتبار للدستور، ويستعيد استقلال القضاء، ويفتح المجال العام، ويطوي صفحة السنوات العصيبة التي عاشتها البلاد خلال عهد الرئيس #قيس_سعيد، دون انتقام أو إقصاء أو هدم لمؤسسات الدولة.
إن دعم هذا المسار لن يكون خدمة لتونس وحدها، بل خدمة لاستقرار المغرب العربي، ولأمن المتوسط، ولمصالح المجتمع الدولي نفسه. أما الرهان على بقاء الأزمة، باعتبارها أقل كلفة من التغيير، فهو رهان أثبتت تجارب المنطقة، مرة بعد أخرى، أنه يخسر في النهاية الجميع.
وربما لهذا السبب بدا لي مقال الصديق العزيز #عماد_الدائمي أكثر من مجرد مقال سياسي. لقد كان رسالة طمأنة مكتوبة بلغة الدولة، لا بلغة الصراع؛ ورسالة إلى الجزائر، وإلى أوروبا، وإلى كل من ينظر إلى تونس بقلق، تقول إن التغيير الذي يتطلع إليه التونسيون ليس مشروعًا للفوضى، بل مشروعًا لإنقاذ الدولة، وإن المجتمع الذي تعلم من أخطاء خمسة عشر عامًا، لن يعيد السير إليها بالخطوات نفسها.
لقد نجح الرجل في أن يبدد، بهدوء وحكمة، كثيرًا من المخاوف التي أثارتها تصريحات الرئيس الجزائري، لا بالاعتراض عليها، بل بإكمال معناها. فإذا كان الرئيس #عبدالمجيدتبون قد تحدث عن حماية تونس من الأخطار، فإن الدائمي ذكّرنا بأن أكبر الأخطار هو أن تتحول الأزمة نفسها إلى قدر دائم، وأن أفضل حماية لتونس، ولجيرانها، هي أن تستعيد الدولة قدرتها على العمل، وأن يستعيد المواطن ثقته فيها.
وفي تقديري، لا يوجد تعارض حقيقي بين أمن الجزائر وحرية تونس، ولا بين استقرار الإقليم وحق التونسيين في التغيير. بل إن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تناقض. فالجزائر ستكون أكثر أمنًا كلما كانت تونس أكثر استقرارًا، ولن تكون تونس أكثر استقرارًا إلا إذا امتلكت القدرة على معالجة أزماتها، لا الاكتفاء بتأجيلها.
إن الدول لا تُحمى بإطالة عمر الأزمات، ولا تُصان هيبتها بإغلاق أبواب السياسة، ولا تُبنى شرعيتها بالخوف من المستقبل. وحدها الدولة التي تملك شجاعة الإصلاح هي القادرة على أن تحمي نفسها، وأن تطمئن جيرانها، وأن تكسب احترام العالم.
لهذا أكرر، في ختام هذه القراءة، ما أراه جوهر المسألة كلها: الجزائر لا ينبغي أن تخشى إرادة التغيير في تونس، وتونس لن تكون يومًا تهديدًا لجيرانها.
أما الرسالة التي تستحق أن تبقى، بعد أن ينتهي الجدل كله، فهي أن حماية تونس لا تبدأ من حماية السلطة، ولا من حماية المعارضة، ولا من حماية الأمر الواقع، بل من حماية حق شعبها في انتقال عاقل، وطني، سلمي، يعيد للدولة قدرتها، وللديمقراطية معناها، وللمستقبل أبوابه.
وعندها فقط، لن يكون نجاح تونس انتصارًا للتونسيين وحدهم، بل مكسبًا للجزائر، وطمأنينة لأوروبا، ورسالة نجاح لكل من يؤمن بأن العالم العربي لا يزال قادرًا على أن ينتج نموذجًا يوازن بين الحرية والاستقرار، وبين الدولة والديمقراطية، وبين الإصلاح والأمن.
تلك، في تقديري، هي الرسالة التي تستحق أن تُسمع… لأنها ليست دفاعًا عن نظام، ولا خصومة مع نظام، وإنما دفاع عن وطن، وعن منطقة، وعن فرصة ربما لا تتكرر كثيرًا في تاريخ الشعوب.







