
للحروب أصوات وصور كثيرة. بعضها يأتي مدويًا مع هدير الطائرات، وبعضها يتسلل في صمت، على هيئة خبر مرتبك ، أو حريق في ميناء، دون ذكر أسبابه، أو رواية أولية لا تزال تنتظر أن يقول مسئول رسمي كلمته الأخيرة.
ولهذا، فإن الحكمة في مثل هذه اللحظات ليست أن نسبق الوقائع، بل أن نسبق الاحتمالات بالاستعداد، وأن نقرأ ما بين السطور دون أن نضيف إليها ما لم تثبته الحقائق.
إن صح ما نقلته وكالة رويتر عن مصادر أمنية ومصادر في تجارة الغاز، وما أوردته شركة أمبري البريطانية المتخصصة في الأمن البحري، من أن ناقلة غاز طبيعي مسال داخل ميناء دمياط تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة واحدة على الأقل، ثم امتدت آثار الحريق إلى ناقلة أخرى، فإننا لا نكون أمام حادث بحري معزول، بل أمام تطور يستحق قراءة هادئة وعميقة. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تصدر نتائج التحقيق الرسمي التي تحسم سبب الحادث أو تحدد الجهة المسؤولة، وهو ما يفرض علينا التمييز بين ما هو معلومة أولية، وما هو استنتاج سياسي، وما هو حقيقة ثابتة.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذه الرواية من أكثر من مصدر مهني مستقل يجعل من الصعب التعامل معها باستخفاف. فالقضية لم تعد مجرد سفينة أو حريق، وإنما احتمال انتقال الصراع الإقليمي إلى مستوى جديد، تصبح فيه منشآت الطاقة والموانئ التجارية جزءًا من مسرح العمليات، لا مجرد مرافق اقتصادية بعيدة عن خطوط النار.
ميناء دمياط ليس نقطة عابرة على خريطة البحر المتوسط. إنه أحد أهم منافذ الغاز الطبيعي المصري، وركيزة أساسية في منظومة الطاقة بشرق المتوسط، كما يمثل حلقة مهمة في تلبية جزء من احتياجات الأسواق الأوروبية. ولهذا، فإن أي تهديد يطاله، ولو كان محدودًا، لا يبعث برسالة إلى القاهرة وحدها، بل إلى أسواق الطاقة العالمية، وشركات التأمين، والملاحة البحرية، وكل من يراقب استقرار هذا الإقليم شديد الحساسية.
وإذا ثبتت هذه الروايات، فإن أخطر ما تكشفه ليس حجم الأضرار المباشرة، وإنما طبيعة التحول في مفهوم الحرب نفسها. فالصراعات الحديثة لم تعد تسعى دائمًا إلى احتلال الأرض، بقدر ما تستهدف تعطيل الاقتصاد، وإرباك الأسواق، ورفع كلفة الاستقرار. وقد تكفي طائرة مسيّرة منخفضة الكلفة لإحداث أثر سياسي واقتصادي يفوق ما تحدثه منظومات عسكرية باهظة الثمن.
طوال الأشهر الماضية، انشغل العالم بمضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، والمنشآت النفطية في الخليج. أما إذا امتدت دائرة التهديد إلى منشآت الغاز في البحر المتوسط، فإننا نكون أمام مرحلة جديدة من الصراع، تتسع فيها الجغرافيا، وتتداخل فيها المصالح، ويصبح من الصعب على أي دولة أن تعتبر نفسها بعيدة عن ارتداداته.
بالنسبة إلى مصر، لا ينبغي أن يقود هذا التطور إلى الانفعال، ولا إلى التقليل من شأنه. فالمصلحة الوطنية تقتضي موقفًا ثالثًا: اليقظة الهادئة. فلا الانجرار إلى استقطابات الحرب يخدم مصر، ولا تجاهل مؤشرات الخطر ينسجم مع مسؤولية الدولة في حماية أمنها القومي.
لقد تغير مفهوم الأمن القومي في عالم اليوم. فلم يعد يقتصر على حماية الحدود البرية أو المجال الجوي، بل أصبح يشمل حماية الموانئ، ومنشآت الطاقة، والبنية الرقمية، وشبكات النقل، وكل ما تقوم عليه حياة الدولة الحديثة. ومن هنا، فإن أي اعتداء محتمل على منشأة اقتصادية إستراتيجية يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة الحماية والإنذار والاستجابة، وليس مجرد معالجة آثار الحادث نفسه.
ولا يقل عن ذلك أهمية البعد الاقتصادي. فأسواق الطاقة لا تنتظر اكتمال التحقيقات، وشركات التأمين لا تؤجل حساباتها حتى صدور البيانات الرسمية. يكفي أن ترتفع درجة المخاطر في تقديراتها حتى ترتفع معها كلفة الشحن، وتتبدل قرارات الاستثمار، وتنعكس التداعيات على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وفي عالم مترابط، قد يكون أثر الشعور بالخطر أكبر من أثر الخطر ذاته.
كما أن مصر تواجه بالفعل ضغوطًا ناجمة عن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس. وإذا أضيف إلى ذلك تهديد محتمل لمنشآت الغاز على ساحل المتوسط، فإن معادلة الأمن الاقتصادي تصبح أكثر تعقيدًا. عندها لن يكون أمن دمياط قضية منفصلة عن أمن قناة السويس، بل سيصبح الاثنان وجهين لملف واحد عنوانه: حماية شرايين الاقتصاد الوطني.
ولهذا، فإن أكثر ما تحتاج إليه مصر في مثل هذه اللحظات هو الشفافية والثقة. فمن حق المواطنين أن يعرفوا ما جرى، ومن حق الأسواق أن تتلقى معلومات دقيقة، ومن حق الشركاء الدوليين أن يطمئنوا إلى أن الدولة تدير الموقف بمهنية وكفاءة. فالدول القوية لا تُبنى على إخفاء الحقائق، وإنما على القدرة على كشفها وإدارتها بثقة.
وإذا انتهت التحقيقات إلى أن الحادث كان بالفعل نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة، فسيكون ذلك جرس إنذار مبكرًا يستوجب مراجعة شاملة لمنظومة حماية المنشآت الإستراتيجية. أما إذا أثبتت التحقيقات سببًا آخر، فإن قيمة الواقعة لن تتراجع؛ لأنها كشفت هشاشة الإقليم، وسرعة انتقال التوتر من جبهة إلى أخرى، ومن مضيق إلى ميناء، ومن خبر يبدو محدودًا إلى قضية تمس الأمن القومي لدولة بحجم مصر.
في السياسة، كما في البحر، لا تأتي كل العواصف من الأفق المرئي. وبعض الدخان لا يكون أخطر ما فيه أنه ارتفع، بل أنه ينذر بما قد يأتي بعده. أما الحكمة، فليست في أن نُسلم بكل رواية، ولا في أن ننكر كل احتمال، وإنما في أن نبقى يقظين حتى تقول الحقيقة كلمتها، وأن نستعد لكل السيناريوهات قبل أن تفرض نفسها علينا.







