مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: مسيّرة دمياط وحرب الغاز.. وقيعة بين مصر وإيران أم استهداف لبدائل القاهرة؟

لم يشغلني في حادث دمياط لون الدخان بقدر ما شغلني اسم السفينة ووظيفتها. فالمسيّرة لم تضرب ناقلة عابرة في عرض البحر، وإنما أصابت وحدة تعمل داخل ميناء مصري، مرتبطة بالشبكة المصرية، ومهمتها أن تمنح القاهرة بابًا آخر للغاز غير الباب الإسرائيلي.

لهذا لا أستطيع النظر إلى ما جرى باعتباره حادثًا بحريًا منفصلًا عن حرب الطاقة الدائرة حولنا. فالضربة، بصرف النظر عمن نفذها، مست أمن مصر مباشرة، وفتحت في اللحظة نفسها طريقًا سريعًا للاتهام باتجاه إيران. وهنا يبدأ السؤال: هل كان المطلوب إصابة السفينة فقط، أم دفع القاهرة إلى مكان لم تختر الذهاب إليه؟

في البداية، أعلنت وزارة البترول وقوع حريق على سفينة للتغويز وأخرى للتخزين في ميناء دمياط، وأكدت السيطرة عليه وعدم وقوع إصابات. لم تقل شيئًا عن السبب. وبعد ساعات، أعلن مجلس الوزراء أن التحقيقات الأولية أثبتت أن الحريق نجم عن طائرة مسيّرة، وأن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها.

من الطبيعي أن تنتظر الدولة بعض الوقت قبل إعلان نتيجة أولية. لكن من الطبيعي أيضًا أن يسأل المصريون: ماذا كان معلومًا عند صدور البيان الأول؟ ولماذا سبقت شركات الأمن البحري الأجنبية الحكومة إلى الحديث عن المسيّرة؟ هذه الأسئلة لا تصنع شائعة، بل يصنعها الفراغ الذي تتركه البيانات الناقصة.

وفقًا لما نشرته وكالة رويترز، أصابت المسيّرة وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة «إنرغوس وينتر»، ثم امتدت النيران إلى السفينة الثانية «غازلوغ سالم». وكانت شركة «أمبري» البريطانية قد تحدثت عن هجوم بمسيّرة، بينما قالت مجموعة «فانغارد» إن مقذوفًا مجهولًا أصاب الجانب الأيمن من السفينة.

هذه التقارير ساعدت في فهم ما حدث، لكنها لم تخبرنا بمن فعله. وحتى اللحظة لا توجد جهة أعلنت مسؤوليتها، ولا دليل منشور يحدد نقطة انطلاق المسيّرة أو مسارها أو الجهة التي وجهتها. ومن يقفز من وجود المسيّرة إلى اسم الفاعل مباشرة لا يقدم تحقيقًا، بل يقدم رواية سياسية جاهزة.

الأهم أن «إنرغوس وينتر»، رغم ملكيتها الأمريكية، لا تعمل لمصلحة الولايات المتحدة. إنها ليست قاعدة عسكرية ولا منصة لخدمة عمليات واشنطن. السفينة مستأجرة لمدة خمس سنوات من الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس»، وتعمل في دمياط لتأمين احتياجات مصر من الغاز. وهذا هو الغرض الذي أعلنته الشركة المالكة عند توقيع عقد التأجير.

المسألة أبسط مما تبدو عليه المصطلحات الفنية. نحن لا نتحدث عن محطة تسييل تحول الغاز إلى سائل من أجل تصديره. العكس تمامًا. «إنرغوس وينتر» تستقبل الغاز المسال الذي تشتريه مصر من الخارج، ثم تعيده إلى حالته الغازية ليُضخ في الشبكة الداخلية ويذهب إلى محطات الكهرباء والمصانع.

أما الغاز الإسرائيلي فيصل عبر خطوط الأنابيب، ولا يحتاج إلى سفن التغويز. ومن ثم فإن وجود وحدات مثل «إنرغوس وينتر» يمنح مصر القدرة على شراء الغاز من دول أخرى، ويقلل حاجتها إلى الاعتماد المفرط على الحقول الإسرائيلية. لا يحقق الاستقلال وحده، لأن الغاز المسال مرتفع الكلفة ويحتاج إلى شحنات وتمويل وبنية تحتية، لكنه يضع في يد القاهرة بديلًا حقيقيًا عند الضرورة.

وهنا يتغير معنى الضربة. من أصاب السفينة لم يضرب ملكية أمريكية فقط، بل عطل، ولو مؤقتًا، أداة من أدوات أمن الطاقة المصري. المتضرر المباشر هو مصر: شبكتها، ومصانعها، ومحطات كهربائها، وقدرتها على المناورة بين أكثر من مورد.

لا يعني ذلك أن البلاد فقدت كل بدائلها؛ فهناك وحدات تغويز أخرى يمكن الاعتماد عليها. لكن خروج وحدة تعمل في دمياط يضيق هامش الحركة ويرفع الضغط على البدائل المتاحة، في وقت تعاني فيه مصر أصلًا من فجوة كبيرة بين إنتاج الغاز واستهلاكه.

هذه الفجوة لم تنزل علينا من السماء. لقد تراجع إنتاج الحقول المصرية، وفي مقدمتها حقل «ظهر»، بينما واصلت الحكومة لسنوات الحديث عن الاكتفاء الذاتي ومركز الطاقة الإقليمي. زاد الطلب، وانخفض الإنتاج، فعادت مصر إلى استيراد الغاز المسال بكميات ضخمة، وإلى توسيع اعتمادها على الغاز الإسرائيلي في الوقت نفسه.

القاهرة مرتبطة بالفعل بصفقة لاستيراد نحو مئة وثلاثين مليار متر مكعب من حقل «ليفياثان»، بقيمة تقارب خمسة وثلاثين مليار دولار، وتمتد حتى عام 2040. وفي يوليو 2026 ظهرت مذكرة تفاهم جديدة، ما زالت غير ملزمة، لتوريد نحو ثمانين مليار متر مكعب من حقل «تمار» إلى مشترٍ مصري لم يُكشف عن اسمه، بقيمة محتملة تصل إلى عشرين مليار دولار.

المذكرة الثانية ليست عقدًا نهائيًا، ولا يصح التعامل معها كأمر منجز. لكنها تكشف الاتجاه الذي تسير فيه الحكومة: ارتباط أعمق وأطول بالغاز الإسرائيلي، قد يمتد إلى أربعينيات هذا القرن. وهذا لم يعد حلًا مؤقتًا لأزمة عابرة، بل يكاد يتحول إلى اختيار استراتيجي كامل.

أفهم السبب الاقتصادي وراء ذلك. الغاز القادم عبر الأنابيب أرخص عادة من الغاز المسال الذي ندفع كلفة شرائه وشحنه وإعادة تغويزه. ومصر تتفاوض حاليًا على عقود لاستيراد ما بين خمس عشرة وثماني عشرة شحنة شهريًا لعدة سنوات، وقد تتراوح كلفتها، وفق تقديرات رويترز، بين ثمانية وأحد عشر مليار دولار سنويًا.

لكن الأرخص ليس آمنًا بالضرورة. قد توفر في فاتورة اليوم، ثم تكتشف غدًا أن تشغيل مصنعك أو محطة كهربائك معلق بقرار تتخذه حكومة إسرائيلية. وقد رأينا بالفعل كيف انعكس توقف الإمدادات الإسرائيلية أو انخفاضها على المصانع المصرية، واضطرت القاهرة إلى البحث سريعًا عن شحنات بديلة بأسعار أعلى.

هنا تظهر قيمة وحدات التغويز. إنها ليست بديلًا رخيصًا، لكنها تمنع تحول الغاز الإسرائيلي إلى الخيار الوحيد. ولهذا فإن استهداف إحداها يثير سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل أراد طرف ما إضعاف قدرة مصر على تنويع مصادرها، وإبقائها أكثر التصاقًا بغاز «تمار» و«ليفياثان»؟

من هذه الزاوية، تبدو إسرائيل من أبرز المستفيدين المحتملين. تعطيل بديل من بدائل القاهرة يخدم استمرار الطلب على الغاز الإسرائيلي. واتهام إيران بالهجوم يمكن أن يدفع مصر نحو الخصومة معها، ويبعدها عن أي دور في التهدئة، ويدخل دولة عربية كبيرة في الاصطفاف الذي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى توسيعه.

وهناك مكسب آخر لا يقل أهمية: يتحول النقاش من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ومن حرب إسرائيل في غزة ولبنان، إلى حديث عن «الخطر الإيراني الذي يهدد الدول العربية». عندها تتراجع إسرائيل من موقع المعتدي إلى موقع الشريك في مواجهة تهديد مشترك. وهذه صورة سياسية تخدمها بلا شك.

لكن إسرائيل تحتاج أيضًا إلى مصر مستقرة وقادرة على شراء الغاز، وانكشاف تورطها في هجوم داخل ميناء مصري قد يهدد علاقتها بالقاهرة وصفقاتها معها. لذلك يضعها تضارب المصالح ضمن دائرة الفحص، والبحث عن المستفيد يفتح أبواب التحقيق، لكنه لا يغني عن الدليل.

ينطبق الأمر نفسه على إيران. طهران تخوض حربًا مع واشنطن، وقد استهدفت مواقع وقوات أمريكية، ولذلك يظل احتمال اختيار السفينة بسبب ملكيتها الأمريكية قائمًا. لكن هل من مصلحة إيران أن تستعدي مصر وتضيفها إلى خصومها؟

لا أرى ذلك منطقيًا. مصر لم تعلن الحرب على إيران، بل سعت إلى خفض التصعيد، وهي دولة لا تستطيع طهران التعامل معها كأرض مباحة لتوجيه الرسائل إلى واشنطن. وإذا ثبت أن إيران أو جهة حليفة لها نفذت الهجوم، فلن يكون مقبولًا تبرير الفعل بأن السفينة أمريكية؛ لأن من يضرب منشأة تعمل داخل ميناء دمياط يضرب مصر، مهما كانت جنسية المالك.

قد تكون الجهة المنفذة أخطأت في تقدير وظيفة السفينة. وربما أرادت هدفًا أمريكي الملكية ولم تعبأ بمن يستخدمه. وقد يكون طرف ثالث قد اختار الهدف بعناية كي تبدو إيران المتهم الأكثر سهولة. كل ذلك محتمل، ولا أملك ترف إغلاق باب لم يغلقه الدليل.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد فعل ما يفعله عادة: لوّح بالرد قبل أن يضع الأدلة أمام الناس. أعلن أنه تلقى إحاطة عن حادث دمياط، ثم توعد إيران بضربة شديدة. لكن تهديده جاء أيضًا بعد إطلاق صواريخ إيرانية باتجاه أهداف أمريكية في الأردن. لقد جمع ترامب الوقائع في مشهد سياسي واحد، من دون أن يقدم برهانًا علنيًا يثبت أن إيران أرسلت المسيّرة إلى دمياط.

وهذا بالتحديد ما يجعل فرضية الوقيعة خطيرة. فعملية محدودة الكلفة تستطيع أن تجر دولتين إلى خصومة، وتوسع الحرب، وترفع أسعار الشحن والتأمين، وتضرب بديلًا من بدائل الطاقة المصرية، ثم تمنح واشنطن مبررًا جديدًا للتصعيد. أحيانًا لا تكون قيمة العملية في حجم الدمار الذي تسببه، بل في رد الفعل الذي تستدرجه.

موقفي من الوجود الأجنبي واضح. أنا ضد القواعد الأجنبية، وضد تحويل بلادنا إلى مخازن أو نقاط انطلاق في حروب الآخرين. لا أريد جنديًا أجنبيًا ولا منشأة عسكرية تجعل مدننا أهدافًا في صراع لا ناقة لنا فيه ولا جمل. لكن «إنرغوس وينتر» ليست قاعدة أمريكية، والخلط بين السفينة التجارية والوجود العسكري يضعف القضية بدلًا من خدمتها.

المشكلة هنا مختلفة. السفينة تعمل لمصر، لكن ملكيتها الأمريكية قد تكون حولتها إلى هدف في حرب أمريكية إيرانية. وهذا يكشف كيف يمكن لصراعات الآخرين أن تصل إلينا حتى من بوابة عقد تجاري. المطلوب ليس إغلاق البلاد أمام الاستثمار أو السفن الأجنبية، بل ضمان ألا تُستخدم أرض مصر وموانئها لخدمة مشروع عسكري خارجي، وألا ترتبط احتياجاتنا الحيوية بطرف يستطيع جرنا إلى حربه.

وأقولها بوضوح وأنا معارض للنظام المصري: معارضتي للسلطة لا تعني أن أفرح بإصابتها أو أقبل العبث بأمن البلاد. مصر ليست النظام، والدفاع عن سيادتها لا يعني منح حكامها حصانة من المحاسبة. نقف مع الوطن حين يُستهدف، ونسأل السلطة في اللحظة نفسها: كيف وصلت المسيّرة؟ وأين كانت إجراءات الحماية؟ ولماذا عرف الناس جزءًا مهمًا من الحقيقة من شركات أجنبية قبل أن يسمعوه من حكومتهم؟

التحقيق الحقيقي لن يبدأ من تصريحات ترامب ولا من انطباعات المحللين. سيبدأ من حطام المسيّرة، وبصمتها التقنية، ومسارها، ونظام توجيهها، ونقطة إطلاقها. هل جاءت من البحر؟ هل أُطلقت من مكان قريب؟ وهل كانت «إنرغوس وينتر» هي الهدف المقصود فعلًا؟ هذه ليست تفاصيل فنية تخص الخبراء وحدهم؛ عليها يتوقف تحديد من اعتدى على مصر ولماذا.

ومن حق المصريين أن يعرفوا كيف وقع الهجوم، وما الذي فعلته الدولة لحماية بقية الموانئ ووحدات التغويز. فالسكوت لا يحمي الأمن القومي دائمًا. في أحيان كثيرة يحمي المقصر، ويترك الثغرة مفتوحة أمام ضربة أخرى.

لا أستطيع الجزم بمن أطلق المسيّرة. لكنني أستطيع القول إن مصر هي التي دفعت الثمن المباشر، وإن إضعاف البدائل التي تقلل اعتماد القاهرة على الغاز الإسرائيلي يخدم مصالح تل أبيب، وإن الوقيعة بين مصر وإيران تمنحها وواشنطن مكسبًا إضافيًا. هذه اعتبارات سياسية واقتصادية لا يجوز أن تغيب عن التحقيق.

لقد أصابت المسيّرة سفينة واحدة، لكن هدفها ربما كان أكبر من السفينة. ربما أُريد لها أن تضرب طريقًا يمنح مصر بعض الاستقلال في الطاقة، وأن تفتح في الوقت نفسه طريقًا آخر نحو خصومة مع إيران.

لذلك لا يكفي أن نسأل: من أطلقها؟ علينا أن نسأل أيضًا: لماذا اختار هذه السفينة تحديدًا؟ ومن يستفيد من تعطيلها؟ ومن يريد لمصر أن تبقى معلقة بين صمام الغاز الإسرائيلي وحروب القوى الأجنبية؟

لن تأتينا الإجابة من أعلى الأصوات، بل من تحقيق مصري شفاف يتبع الدليل حتى نهايته. وحتى تظهر الحقيقة، يجب ألا تُدان إيران بغير دليل، وألا تُستبعد إسرائيل مجاملةً أو خوفًا، وألا يسمح للنظام بإغلاق الملف ببيان مقتضب. مصلحة مصر فوق صفقات الغاز، وفوق اصطفافات المحاور، وفوق حروب الآخرين جميعًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى